الدكتور نبيل المظفري facebook

لصق الكود

الثلاثاء، 10 أبريل 2012

جذور ودوافع الاعلان الاميركي لحقوق الانسان


الإعلان الأميركي لحقوق الإنسان
        كانت أميركا عبارة عن مستعمرات لعدد من الدول الأوربية وفي مقدمتها بريطانيا ، وقد كان سكان المستعمرات الأميركية خليط من الفئات التي انتقلت إليها من مناطق مختلفة ولأسباب متنوعة ، وغالباً ما توصف الولايات المتحدة بـ "أمة المهاجرين" ، وتعد من أكثر المجتمعات اختلاطا في العالم ، "ففيها يلتقي الكثير من التقاليد الحضارية ، والميول العرقية ، والأصول القومية ، والجماعات العنصرية"([i]) ، وقد كان المهاجرون يحملون معهم حضارة موطنهم الأصلي ، فضلاً عن الأفكار والروح الثورية التي كانت سائدة في أوربا ، وقد سبقت الثورة الأميركية ، محاولات عديدة لشعوب المستعمرات لنيل الحرية والتخلص من القيود الاستعمارية ، ظهرت أولها في مستعمرة فيرجينيا بتحريض من البرلماني الانكليزي سانديز (Sandys) المعارض لسياسة الملك ، الذي طالب بتمثيل المستعمرات وإشراك أبنائها في سن القوانين ، مطالباً في الوقت نفسه سكان المقاطعات الفرجينية بإرسال ممثليها إلى جيمس تاون ، وبالفعل تم تشكيل هيئة تمثيلية ، وعقـدت أول اجتماع لها في 30 تموز 1619 ، وسارت على أثرها المقاطعات الأخرى في تشريع القوانين وانتخاب هيئات تمثيلية لإدارة المستعمرات ، وجاءت ديباجة القوانين التي شرعتها على شكل مواثيق خاصة بحقوق الإنسان ، وكانت أهمها الوثيقة التي أصدرها سكان منطقة كونيتكتكت سنة 1639 .
        كان الاستقلال النسبي (الإدارة) والمساواة الاجتماعية أسوة بمواطني الجزر البريطانية ، التي كان يعيشها سكان المستعمرات البريطانية ، يشكل مر إزعاج للحكومات البريطانية ، إذ كانت تؤكد على خدمة المصالح البريطانية من قبل المستعمرات ، في توفير الأسواق لبضائعها وتقديم المواد الخام لمصانعها دون العمل على تقديم الخدمات بنفس المستوى التي تقدم لسكان بريطانيا نفسها ، بل إن بعض الحكومات زادت في استغلالها للمستعمرات ، بشكل خاص بعد تنامي الرأسمالية التجارية والصناعية بشكل كبير ، فقد عمدت انكلترا أولاً إلى العمل على السيطرة على الاقتصاد الرأسمالي ، وقد أسهمت في ذلك المعاهدات والقوانين التي أبرمتها مع الدول الرأسمالية الأخرى مثل قانون الملاحة لسنة 1651 ومعاهدة اوترخت 1713 وباريس 1763 ، إذ أعطت هيمنة انكليزية على الاقتصاد الرأسمالي ، وشكلت حافزاً كبيراً للنمو الصناعي، وقد أسهمت في زيادة الضغوط البريطانية على مستعمراتها في أميركا ، وتقوية سلطتها عليها ، إزاحة فرنسا واسبانيا عن طريقها في سنة 1763 ، من خلال تنفيذ القوانين البحرية التي وضعت تجارة أميركا تحت رحمة انكلترا ، فضلاً عن قيامها بفرض الضرائب لتعويض الخزينة البريطانية أموالها التي فقدتها في حروبها الكثيرة من خلال إصدار عدة قوانين مثل قانون السكر والعسل الأسود ومعامل التكرير وضريبة التمغة على الصحف والمستندات القانونية خلال السنوات 1737-1765 .
الثورة الأميركية
        زادت الإجراءات البريطانية من استياء الشعب الأميركي وبشكل خاص الإجراءات المتعلقة بالضريبة ، فقد اعترضت فيرجينيا عليها بشدة ، إذ قال باتريك هنري في مجلس المواطنين الخاص بالمستعمرة ، انه لا يحق لأحد فرض الضرائب على أهل فيرجينيا باستثناء مجلسها التشريعي ، وان كل محاولة من اجل ذلك تعد غير شرعية ، وسرعان ما انتشرت حركة المعارضة في المستعمرات الأخرى مثل ماساتشوستس وقد دفعت أراء ودعوات المحامي البوسطني جيمس اوتيز (Jemes Otis) الذي يعد الرائد الأول للثورة الأميركية ، حركة المعارضة إلى الأمام.
        لم يكن أوتيز وحده في الساحة من الداعين إلى الثورة على الانكليز ، بل إن أفكار الأوربيين الكبار من أمثال جون لوك وتوماس بيين قد تغلغلت إلى الأرض الأميركية ، اللذين كانا على رأس الداعين إلى إلغاء النظام الوراثي ، ورفض السلطة التي لا تستمد شرعيتها من الشعب ، وكان بيين الذي استقر في أميركا هرباً من السلطة في بريطانيا ، أكد بان لا جدوى من مطالبة الانكليز بتغيير سياستهم ، بل ان الثورة والتخلص من هيمنتهم وإقامة حكومة جمهورية مستقلة ديمقراطية تكفل حقوق الشعب ، هي السبيل الوحيد في الوصول إلى الرفاهية والتقدم والعدالة الاجتماعية والسياسية ، وقد تأثر عدد من الشخصيات المهمة في أميركا بأفكاره وفي مقدمتهم توماس جيفرسون ، وحث الأخير بدوره الشعب الأميركي على الثورة واعتماد حياة ديمقراطية شعبية حرة ، وأطلق عبارته الشهيرة "إن الله الذي وهبنا الحياة ، وهبنا الحرية معها ، في نفس اللحظة ولنفس السبب".
        انطلقت الانتفاضات في مناطق مختلفة من المستعمرات الأميركية ، نتيجة للأفكار الاستقلالية التي بدأت تسود فيها ، فضلاً عن السياسة التعسفية البريطانية ، مثل نيوانكلاند ونيويورك وبنسلفانيا وغيرها ، وأسست جماعات للوقوف بوجه بريطانيا منها جماعة (أبناء الحرية) ، وبدأ زعماء المعارضة ينشطون في المستعمرات المختلفة وعلى رأسهم صامويل آدمز (Samuel Adams) الذي خاطب المستعمرات بضرورة الوقوف ضد إجراءات الحكومة البريطانية ، وظهرت حركة لمقاطعة البضائع الانكليزية ، وأدت الاضطرابات المستمرة إلى الصدام مع الجنود الانكليز في بوسطن سنة 1770 وقتل بسببه عدة أشخاص وعرفت الحادثة بـ (مذبحة بوسطن) ، وكانت البداية للصدامات المسلحة ، وفي سنة 1773 قام مجموعة من الأميركيين بعمل عد الأنجح في مقاومة التجارة البريطانية في بوسطن وعرف بـ (حفلة الشاي) ، إذ ألقى الأميركيون الشاي الذي أرادت الحكومة البريطانية بيعه هناك في البحر ، ويبدو إن ذلك العمل كان البداية في إشعال الثورة الأميركية في سنة 1775، إذ استاء الملك البريطاني كثيراً ، وأصر على معاقبة بوسطن ، فاقر البرلمان الانكليزي بدعوة من الملك قانون الاحتجاج في 1774 ، وأغلق ميناء بوسطن بوجه التجارة ، واخضع اجتماعات مجلس المدينة للمراقبة ، ونقل عاصمة الولاية إلى مدينة أخرى وأنزلت قوات عسكرية كبيرة في المدينة.
        أثارت التطورات السريعة المستعمرات الأخرى ، وتجمعت حول مستعمرة ماساتشوستس ، فقد اقترح مجلس مواطني فيرجينيا عقد اجتماع في فيلادلفيا لمندوبي جميع المستعمرات ، واجتمع المؤتمر القاري الأول في سنة 1774 ، واصدر المجتمعون وثيقة اعترضوا من خلالها على سياسة الحكومة البريطانية في خنق الحريات وفرض الضرائب دون وجه حق وغيرها.
        كانت الشرارة التي أشعلت الثورة ، قيام القوات الانكليزية في 19 نيسان 1775 بالاستيلاء على مخازن الذخيرة والبحث عن زعيمي المعارضة جون هانكوك وآدمز ، وقد واجه الأميركيون تلك السياسة بالقوة ، وحدثت صدامات عنيفة في مستعمرة ماساتشوستس ، وسرعان ما اندلعت في عموم المستعمرات الأخرى ، وإزاء تلك التطورات اجتمع المؤتمر القاري الثاني في 10 أيار 1775 ، وقرر المجتمعون إعلان الحرب على انكلترا ، وتعيين جورج واشنطن قائداً عاما على جيش المستعمرات ، وقد حقق الجيش انتصارات كبيرة خلال السنتين 1775و1776 ، وكانت السبب في إعلان الاستقلال.
        شجعت مجريات الأحداث على الأرض الأميركية ، قادتها على العمل لإعداد وثيقة الاستقلال الأميركي ، وقد سبقت فيرجينيا المستعمرات الأخرى ، إذ أعلنت في أيار 1776 الاستقلال، وفي 7 حزيران من السنة نفسها تقدم لي (H.R.Lee) نيابة عن وفد فيرجينيا إلى المؤتمر الأميركي باقتراح تضمن جعل المستعمرات دولاً مستقلة وقطع علاقاتها مع التاج البريطاني ، ووافق المؤتمر على الاقتراح ، وتقرر تشكيل لجنة مؤلفة من جيفرسون وآدمز وبنيامين فرانكلين لإعداد بيان الاستقلال ، وخولت اللجنة جيفرسون لإعداد الوثيقة ، وتم بالفعل إعدادها ، وبعد إجراء بعض التعديلات عليها من قبل اللجنة ، أعلنت وثيقة الاستقلال في 4 تموز 1776 ، ونصت صراحة على استقلال الولايات الأميركية ، وقد نصت أيضاً على المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان ، وقد جاء فيها : إن الناس كلهم خلقوا متساوين ، وان الخالق قد منحهم حقوقاً ثابتة لا يمكن انتزاعها منهم ، وبين هذه الحقوق الحياة والحرية والسعي لبلوغ السعادة ، ولضمان هذه الحقوق أنشئت الحكومات بين الناس وهي تستمد سلطتها العادلة من المحكومين ، وانه عندما يصبح أي شكل من الحكومات أداة هدم لتلك الغايات فمن حق الشعب أن يغيرها أو يزيلها ، وان يقيم مكانها حكومة جديدة مؤسساً إياها على مبادئ ، ومنظماً سلطانها على وجه بحيث تبدو له انه أجدر بان تحقق له السلامة والسعادة.
        لم تنته المعارك الأميركية البريطانية بإعلان الاستقلال ، إذ استمرت تلك المعارك بين انتصار وهزيمة حتى سنة 1781 ، إذ استسلمت القوات البريطانية في ذلك التاريخ .
        لم يستقر الأميركيون على الوثيقة التي سنوها في سنة 1776 ، بل استمرت المفاوضات من اجل وضع دستور للبلاد ، وبعد انتخاب الكونغرس الأميركي في سنة 1779 ، تم إصدار لائحة حقوق الإنسان بعد إجراء التعديل على الدستور ، وسميت اللائحة (شرعة الحقوق الأميركية) ، وقد أجريت عدة تعديلات على الدستور لصيانة وحماية حقوق الإنسان ، وأهمها التعديل الذي اجري في سنة 1787 ، واهم ما جاء فيه في مجال حقوق الإنسـان ، انه لا يحق للكونغرس أن يسن قانونا لإقصاء أية ديانة أو منع إقامة شعائرها بحرية تامة أو الحد من حرية الرأي والتعبير والنشر ، وعقد الاجتماعات السلمية ولهم الحق في مطالبة الحكومة بالإنصاف وتحقيق العدالة ، وكما أكد الدستور في مادته الرابعة على ضرورة عدم انتهاك حرمة الشعب وان يكون مأمونا في بيوتهم وممتلكاتهم ، وان لا يتعرض للتعسف والاعتقال إلا في حالة وجود ضرورة شرعية لذلك وإجراء محاكمة سريعة وعادلة وغيرها.
الحرب الأهلية الأميركية
        إن إعلان الدستور الأميركي ، وإقرار شرعة الحقوق الأميركية ، لا يعني النهاية لمعاناة الإنسان في تلك البقعة الجغرافية ، لكن الشعب الأميركي كان على الدوام يرنو نحو الأحسن ، على الرغم من الصعوبات الكثيرة ، التي كانت تقف أمام تحقيق المساواة التامة بين مواطني أميركا ، فالرق كان يشكل عاملاً مهماً في الخلافات بين الولايات الشمالية والجنوبية ، وكان السبب الأول في اندلاع الحرب الأهلية الأميركية (1861-1865) ، والتي كانت نقطة تحول أخرى في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، وعندما بدأت المعارك تميل لصالح الشماليين ، اخذوا في اتخاذ بعض القرارات التي اندلعت الحرب من بسببها . فقد اصدر الرئيس الأميركي ابرهام لينكولن (Lincoln) (1809-1865) بياناً في 22 أيلول 1862 ، أعلن فيه إعتاق العبيد ، وقد أوضح في البيان ، إن الغاية من الحرب ليست فقط إعادة الوحدة ، وإنما أيضاً إلغاء العبودية ، وبعد انتهاء الحرب ، وتحقيقا للسلام والعدالة والمساواة قال لينكولن "بدون أحقاد بحق أحد والخير من اجل الجميع والدفاع عن ما هو عادل . فلنناضل من اجل ما بدأنا ، رأب جرح الأمة والعناية بمن عانى أثناء المعارك من اليتامى والأطفال وفعل كل شيء من أجل سلام عادل ودائم داخل البلاد ومع كل الأمم" . وفي 18 كانون الأول 1865 ، وافق الكونغرس على التعديل الثالث عشر للدستور الأميركي الذي قضى بتحريم الرقيق في جميع أراضي الولايات المتحدة الأميركية.


[i])) للمزيد من التفاصيل حول مكونات الشعب الأميركي . ينظر : دوغلاس .ك. ستيفنسون ، الحياة والمؤسسات الأميركية ، ترجمة أمل سعيد ، الدار الأهلية للنشر والتوزيع (عمان ، 2001) ، ص 18-30 .

الخميس، 26 يناير 2012

الاعلان العالمي لحقوق الانسان 1948: قراءة في دوافع وظروف اعلانه واهمية بنوده


بقي الفرد خارج إطار القانون الدولي ، حتى مطلع القرن العشرين ، إذ كانت علاقة الإنسان مرتبطة بالدولة بشكل مطلق ، ولا تتيح الدول المجال للآخرين في التدخل في شؤونها تحت أية ذريعة كانت ، وتشريع القوانين من اختصاص الدول ذاتها ، وليس للمجتمع الدولي إلا تأثير هامشي ، فقد كانت كل حكومة تعد معاملة مواطنيها من صميم واجباتها وسلطتها ولا شأن للدول الأخرى أو المنظمات الدولية بذلك , أما المواطنون الأجانب فعادة كانت دبلوماسية بلدانهم تتدخل لحمايتهم وفقاً لقوانين الدول التي يتواجدون على أرضها ، وقد شهد القرن التاسع عشر بعض المحاولات الدولية لتحسين ظروف وأحوال الإنسان ، مثل ظهور حركة الصليب الأحمر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، وعقدت بعض الاتفاقيات الخاصة بمعاملة أسرى وجرحى الحروب وتحريم الرق والاتجار به ومكافحة القراصنة وغيرها ، ومنها اتفاقية لاهاي لسنة 1899 واتفاقية سنة 1907.
        كان للحرب العالمية الأولى التي اندلعت في سنة 1914 ، أثر كبير في تحرك المجتمع الدولي لوضع الحلول للمأساة الإنسانية التي خلفتها تلك الحرب ، فهناك الملايين من البشر الذين سقطوا في تلك الحروب التي التهمت كل شيء ، ملايين من القتلى والجرحى والمعوقين ، والأرامل والأيتام ، ودمرت مدن على ساكنيها ، فضلاً عن توقف الصناعات والخدمات ، إما لتدميرها نتيجة للقصف والاحتلال أو خلو المعامل والمصانع والدوائر من العمال والموظفين الذين التحقوا بجبهات القتال ، ولم يعودوا إليها إما لأنهم لقوا حتفهم هناك أو اسروا أو منعتهم جروحهم وعوقهم من التواصل في أعمالهم المدنية . فقد تركت تلك الحروب آثار سلبية كبيرة على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في العالم ، ولم يسلم منها حتى الأطفال والنساء ولم يبق أمامهم سوى النزول إلى ساحات العمل من أجل العيش ، واستغل الأطفال والنساء أبشع استغلال خلال تلك الفترة وحتى بعد انتهاء الحرب في سنة 1918 .
        إن نتائج الحرب العالمية الأولى ، وضعت المجتمع الدولي أمام مسؤولية كبيرة جداً . لابد من إيجاد منظمة دولية تعمل أولا على إزالة أسباب وأدوات الحرب في العالم لمنع تكرار ما حدث خلال السنوات السابقة ، فضلاً عن المساعدة في العمل على إعادة البنية التحتية التي دمرت ، وتوفير الخدمات الضرورية للإنسان ، فكانت ولادة عصبة الأمم في سنة 1919 التي أخذت على عاتقها تحمل تلك المسؤولية ، وعلى الرغم من أن ميثاقها لم يشر بشكل صريح إلى حقوق الإنسان إلا في بعض المجالات الضيقة كوضع نصوص وإشارات خاصة بحماية الأقليات الدينية والقومية ودعم بعض الدول التي نشأت بعد الحرب وفقاً لنظام الانتداب الذي تم إقراره في مؤتمر سان ريمو سنة 1920 ، فقد وفرت العصبة أجواء مناسبة لتنشيط بعض الحركات والمنظمات التي تهدف إلى تحسين ظروف العمل والعمال من الناحية الاقتصادية والاجتماعية ولاسيما الصحية وتوفير السكن وفرص التعليم وضمانات الحياة اللائقة بالإنسان . وكان تأسيس منظمة العمل الدولية سنة 1919 في ذلك الإطار.
        تواصلت الجهود الدولية الهادفة إلى تشريع المواثيق والعهود والاتفاقيات الدولية لضمان تمتع الإنسان بالحياة والحرية والمساواة ، وقد أثمرت تلك الجهود بالتوصل إلى اتفاقية مهمة حول تحريم تجارة الرقيق في سنة 1926 ومعاقبة المخالفين ، وقد جاءت هذه الاتفاقية بعد أن تزايدت تلك التجارة ، بعد الجهود الفردية من قبل بعض الدول للقضاء عليها ، ومنها بريطانيا التي وضعت قانوناً حرمت فيه تجارة الرقيق في سنة 1807 والولايات المتحدة الأميركية في أعقاب الحرب الأهلية (1861-1865) ومؤتمر برلين الذي عقد في سنة 1885 والذي اصدر قراراً بمنع تجارة العبيد.
        لقد عملت عصبة الأمم خلال الفترة (1919-1939) على تقديم المساعدات للدول المختلفة لتجاوز مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية ، وفي المجال الإنساني ، فإنها قدمت مساعدات إلى الدول التي تضررت في الحروب ، وفي الجانب الصحي ، بذلت جهوداً حثيثة في مكافحة الأوبئة المتوطنة في مناطق مختلفة من العالم ، كما أنها كافحت تجارة المخدرات والبغاء واهتمت بتربية الأطفال وتحسين أحوال اللاجئين السياسيين وتحسين طرق المواصلات والتعاون التجاري ، فضلاً عن الجانب الثقافي ، لكنها في الحقيقة فشلت في المهمة الأساسية التي أسست من اجلها ، وهي حماية الدول الأعضاء من العدوان ومسألة نزع السلاح ومعالجة الأزمات العالمية بالطرق السلمية عن طريق المنظمات التابعة لها، إذ لم تستطع العصبة من فعل شيء أمام الأحداث المؤلمة التي وقعت في الاتحاد السوفيتي ومصادرة الحقوق والحريات الأساسية فيه نتيجة للممارسات التي أقدم عليها جوزيف ستالين ضد معارضيه في ثلاثينيات القرن المنصرم ، وشن حملات إبادة واسعة شملت ملايين البشر في أنحاء مختلفة من البلاد ، وبشكل خاص في الشيشان والقوقاز وجورجيا ، فضلاً عن الحصار الإعلامي والحكم الدكتاتوري القائم على القمع والاضطهاد إلى جانب فشلها في نزع السلاح ووضع حد لسباق التسلح القائم في أوربا ولاسيما بين ألمانيا وفرنسا ، إذ قرر هتلر في 16 آذار 1935 تسليح ألمانيا وإعادة التجنيد الإجباري وزيادة عدد قواتها العسكرية خلافاً للاتفاقيات المعقودة بين الأطراف المختلفة.
        كان إخفاق عصبة الأمم في مهمتها ، السبب في إشعال فتيل الحرب العالمية الثانية (1939-1945) ، وأمام القوة الهائلة التي تمتلكها الدول ، فقد كانت الحرب وخيمة الآثار على البلدان التي شاركت فيها والمناطق التي أصبحت ساحة للمعارك بين الدول المتحاربة منذ بدايتها ، لذلك بادر بعض القادة إلى وضع حد لتلك الحرب المدمرة ، وعلى الرغم من ان جهودهم باءت بالفشل إلا أنها مهدت لقيام منظمة عالمية قادرة على تجاوز المسائل التي فشلت عصبة الأمم في معالجتها.
        وكانت البداية مع المبادرة التي قدمتها الولايات المتحدة الأميركية في 14 آب 1941 ، وصدور تصريح الأطلنطي عن الرئيس الأميركي روزفلت والسوفيتي ستالين ، إذ نصت الفقرة الثامنة من التصريح على ضرورة إقامة منظمة جديدة لتكون بديلة عن العصبة ، وبعد الهجوم الياباني على بيرل هاربر ، قام المسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية بإعداد تصريح أطلق عليه (تصريح الأمم المتحدة) في 1 كانون الثاني 1942 ، ووقعها رئيس وزراء بريطانيا تشرشل في واشنطن ، وتعهدوا بإقامة نظام للسلام والأمن على أساس الاعتراف بمبادئ الأطلنطي ، وتشكلت لجنة برئاسة كوردل هول وزير الخارجية الأميركية لدراسة أسباب الحرب العالمية ، وعقدت اللجنة أول اجتماع لها في 12 شباط 1942 ، وقد أسهمت اللجنة في تقارب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة حول وضع آلية لإقامة منظمة دولية ، إذ استطاعت في اجتماع مؤتمر موسكو في تشرين الأول 1943 ، أن تحصل على موافقة الاتحاد السوفيتي على إقامة منظمة دولية قائمة على مبدأ المساواة بين جميع الدول المسالمة ، وتم تأكيد هذا القرار في مؤتمر طهران المنعقد في تشرين الثاني سنة 1943 ، وفي 28 آب 1944 ، اتفقت كل من الاتحاد السوفيتي وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية في الاجتماع الذي عقد في فندق دمبارتون اوكس بإحدى ضواحي واشنطن لبحث تفاصيل المشروع ، وتم التوصل إلى الاتفاق بين الأطراف المشاركة في 7 تشرين الأول من السنة نفسها على إقامة تنظيم دولي يعرف باسم الأمم المتحدة يهدف إلى المساواة بين الدول وفض المنازعات بالطرق السلمية والامتناع عن مساعدة الدول التي تمارس الحرب والعنف ضد البلدان الأخرى ومواطنيها ، واستمرت الاجتماعات المكملة لتنفيذ المشروع بمشاركة دول عديدة ، فقد مهد مؤتمر يالتا في 4 شباط 1945 ، لمؤتمر سان فرانسيسكو في 25 شباط من السنة نفسها والذي استمر حتى 25 حزيران 1945 ، إذ تم إقرار وإعلان ميثاق الأمم المتحدة بحضور (51) دولة.
وقد أكدت المواد التي وردت في الميثاق عل جملة من المبادئ الأساسية ، يمكن إجماله فيما يأتي :
1-   حفظ السلم والأمن الدوليين .
2-   حق تقرير المصير للشعوب ، ويعد أساس السلام العالمي وأساس حقوق الإنسان .
3- تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعاً دون تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين ودون تفريق بين الرجال والنساء .
4- تحقيق مستوى أعلى للمعيشة وتوفير أسباب النهوض وعوامل التطور والتقدم وحل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية في مختلف المجتمعات .
5-   تعزيز التعاون في مجال الثقافة والتعليم.
      لقد ضمن ميثاق الأمم المتحدة آليات حماية حقوق الإنسان في المادتين (62) و (68) ، فقد ألزمت المادة (62) المجلس الاقتصادي والاجتماعي الذي تشكل بموجب الميثاق نفسه ، بتقديم توصيات حول إشاعة احترام الإنسان وحرياته الأساسية ومراعاتها ، في حين عهدت المادة (68) إلى المجلس سلطة تشكيل لجان تابعة للأمم المتحدة ومن بينها لجنة خاصة بحقوق الإنسان ، وتم تشكيلها بالفعل في سنة 1946 ، وقد أخذت اللجنة على عاتقها مسؤولية وضع لائحة خاصة بحقوق الإنسان ، وتم إعدادها ومن ثم إقرارها في سنة 1948.
        أدى المجلس الاقتصادي الاجتماعي دوراً كبيراً في مجال حقوق الإنسان ولا يزال ، إذ كان عمله واضحاً في مجال التعاون الاجتماعي والاقتصادي وعلى مستويات مختلفة في مختلف أنحاء العالم ، وتعد حقوق الإنسان من صلب اهتمامات المجلس ، والدليل على ذلك فان لجنة حقوق الإنسان قد ولدت من رحم ذلك المجلس ، وقد وضعت اللجنة في أولوياتها وضع آليات لحماية حقوق الإنسان ، وكانت خطوتها الأولى إنشاء اللجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الأقليات في سنة 1947

إن الحديث عن جهود الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان ، يلزمنا الحديث عن أهم وثيقة خاصة عن حقوق الإنسان ، أصدرتها الأمم المتحدة وهي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي جاءت ترجمة لما ورد في ميثاق الأمم المتحدة الذي اقر بحقوق الإنسان وحمايتها وصيانتها ، ومن ثم بنيت على أساسها أغلب الوثائق العالمية الخاصة بحقوق الإنسان التي صدرت بعد سنة 1948.
        عمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى تشكيل لجان مختلفة كآليات لصيانة حقوق الإنسان ، فقد بادر المجلس الاقتصادي والاجتماعي الذي يعد باكورة أعمال الأمم المتحدة ومن أهم المنظمات التي تعنى بحقوق الإنسان ، بادر إلى تشكيل لجنة حقوق الإنسان في سنة 1946 ، وبدأت هذه اللجنة أعمالها لغرض رفع المستوى الاجتماعي والاقتصادي للإنسان وحماية حقوقه ، وبما أن ميثاق الأمم المتحدة تحدث عن حقوق الإنسان بشكل عام ، كان لابد من إقرار لائحة خاصة بحقوق الإنسان تبين حقوقه وتحميها وتصونها وتلزم الأمم بتطبيقها ، وخاصة وان اللجنة استلمت خلال السنوات 1946-1948 شكاوى وعرائض عديدة تتحدث عن انتهاكات لحقوق الإنسان وكانت حافزاً لإصدار مثل هذا الإعلان .
        أعدت لجنة حقوق الإنسان الإعلان الخاص بحقوق الإنسان ، وقد تم إقراره في 10 كانون الأول 1948 ، فقد قبل بأغلبية الأصوات ، إذ صوتت لصالحه (48) دولة ، وامتنعت عن التصويت (8) دول ، في مقدمتها المملكة العربية السعودية لمخالفة بعض بنود الإعلان لتعاليم الشريعة الإسلامية مثل حرية تغيير الدين والزواج والبنوة وغيرها ، وكذلك امتنعت جنوب إفريقيا التي كانت معروفة بسياسة التمييز العنصري التي تمارسها ضد مواطنيها من السود ، في حين ساوى الإعلان بين جميع بني البشر ، كما اعترضت كل من روسيا وروسيا البيضاء وأوكرانيا وتشيكوسلوفاكيا (سابقاً) ويوغسلافيا (سابقاً) وبولندا ، فقد رأت هذه الدول من الإعلان تجاوزاً على المثل العليا للماركسية .
يتضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ديباجة مأخوذة من ميثاق الأمم المتحدة و(30) مادة تحدد أساسيات حقوق الإنسان وحرياته ، وقد دلت على ذلك ديباجة الإعلان ، فقد جاء فيها "لما كان الاعتراف بالكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة هو أساس الحرية والعدل والسلام في العالم ، ولما كان تناسي حقوق الإنسان وازدراءها قد أفضيا إلى أعمال همجية آذت الضمير الإنساني . وكان غاية ما يرنو إليه عامة البشر انبثاق عالم يتمتع الفرد بحرية القول والعقيدة ويتحرر من الفزع والفاقة . ولما كان من الضروري أن يتولى القانون حماية حقوق الإنسان لكيلا يضطر المرء آخر الأمر إلى التمرد على الاستبداد والظلم . ولما كانت شعوب الأمم المتحدة قد أكدت في الميثاق من جديد إيمانها بحقوق الإنسان الأساسية وبكرامة الفرد وقدره وبما للرجال والنساء من حقوق متساوية ، وحزمت أمرها على أن تدفع بالرقي الاجتماعي قدماً وان ترفع مستوى الحياة في جو من الحرية أفسح . ولما كانت الدول الأعضاء قد تعهدت بالتعاون مع الأمم المتحدة على ضمان اطراد مراعاة حقوق الإنسان والحريات الأساسية واحترامها . ولما كان للإدراك العام لهذه الحقوق والحريات الأهمية الكبرى للوفاء التام بهذا التعهد . فان الجمعية العامة تنادي بهذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان".
تكمن فلسفة هذا الإعلان في مادته الأولى التي نصت على "يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق ، وقد وهبوا عقلاً وضميراً وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء" ، وقد أصبحت المساواة والحرية والإخاء الأساس الذي تبنى عليه العلاقات الإنسانية دون تمييز تحت أي عنوان كان ، ثم أورد الإعلان تفصيلات حقوق الإنسان في مواده اللاحقة ، فقد أكدت المواد (4-21) على حقوق الإنسان المدنية والسياسية ، والمواد (22-27) ضمنت الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ، في حين أكدت المواد (28-30) على صيانة وحماية حقوق الإنسان من قيود الدولة والسلطة وضرورة احترام حقوق الإنسان وكرامته ، وكذلك واجبات الفرد تجاه المجتمع وضرورة المحافظة على مصالح الآخرين .
من الطبيعي أن لا يلبي هذا الإعلان رغبات جميع الشعوب والدول . إذ لا شك في إن لكل شعب ومجتمع خصوصيات بما في ذلك من معتقدات مختلفة وعادات وتقاليد تتناقض مع ما ورد في هذا الإعلان ، ومن الواجب أيضاً أن تحترم تلك الخصوصيات ، شريطة أن لا تقيم حاجزاً أو فاصلاً بين تلاقي الشعوب وتعرقل تطورها الثقافي والحضاري ، والعمل على الاستفادة من حضارات الشعوب المختلفة في سبيل رقي العالم . وبما أن هناك ثقافات وحضارات مختلفة ، وهناك تنوع وتناقض حتى داخل المجتمع الواحد ، فمن البديهي أن يرفض هذا الإعلان جزئياً أو كلياً ، ولكن ذلك لا يقلل من قيمة هذا الإعلان الذي تعامل مع الإنسان على انه كائن ذو عقل ووجدان ، ويختلف عن الكائنات الأخرى ، والبشر جميعاً يحملون الصفات والغرائز الطبيعية نفسها في أية بقعة من الأرض كان ، ولهذا جاء هذا الإعلان مترفعاً عن جميع المسائل التي تشكل حاجزاً أو تضع فارقاً أو ترسم حدوداً بين بني البشر .

الاثنين، 5 ديسمبر 2011

حق الانسان في الرأي والمعتقد والتعبير


لقد فضل الله سبحانه وتعالى آدم وذريته على المخلوقات الأخرى وميزهم عن سائر خلقه بالعقل واللسان ، ليفكروا ويعبروا عن آرائهم وأفكارهم ، لذا فان لكل شخص حق في التفكير والاعتقاد والتعبير عنها بالشكل الذي يراه مناسباً ، دونما تدخل من احد أو مصادرة هذا الحق من قبل الأشخاص أو المؤسسات أو الحكومات ، طالما ان أفكاره لا تخرج عن الحدود العامة التي تقرها الشرائع والقوانين ، ولا تلحق ضرراً بالمصلحة العامة ، أو على حساب حقوق الآخرين .
        إن حريات الرأي والمعتقد والتعبير حق وضرورات في عين الوقت ، إذ أنها تهيأ الفرص المناسبة في خلق مقومات التطور في المجتمع ، وإخراجه من حالة متردية إلى حالة أفضل ، وذلك بالتخلص من القيود التي تكبله والتي تفرضها عادة السلطات والمؤسسات بل حتى الأفراد أحياناً ، لان التفكير والحوار والتعبير يؤدي إلى الخروج بأطروحات جديدة لتغيير واقع المجتمعات ويساهم في التطور الحضاري في مختلف المجالات ، ومن الممكن اعتبار هذه الحقوق من الأمور الشرعية إلى حد بعيد ، وهناك شواهد وأدلة كثيرة في هذا المجال ، كما في قوله تعالى {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ }([i]) ، كما أن التفكير والرأي وطرحه يؤدي إلى تقويض سلطة الحاكم والحكومات التي لا تؤدي واجباتها بما يخدم المصلحة العامة ، وإعادتهم إلى رشدهم وتنوير الرأي العام بالسياسات الخاطئة لها وعلى المستويات كافة ، فقد سئل الرسول (صلى الله عليه وسلم) ، عن أفضل الجهاد عند الله قال (( كلمة حق عند سلطان جائر))([ii]).
        لقد وقف المجتمع الدولي عند هذه الحقوق وبينها بشيء من التفصيل وبشكل خاص في لائحة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وكذلك في وثيقتي العهدين الدوليين الصادرين في سنة 1966 ، فقد خصصت الوثيقة الأولى مادتين حول هذه الحقوق هما (18) و (19) ، إذ نصت المادة (18) على أن ((لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين ، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته ، وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سراً أم مع الجماعة )) ، في حين أكدت المادة (19) على ان ((لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير ، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، أو استقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية )) ، وهنا تأكيد واضح على حق إقامة المؤسسات الإعلامية من الصحف والإذاعات والقنوات التلفزيونية الأرضية والفضائية والانترنت وغيرها من وسائل نشر الأفكار المختلفة داخل الحدود الجغرافية للبلاد وخارجها ، ولا يجوز للسلطات أو الأفراد منع الإنسان من ممارسة هذا الحق ، وهنا لا بد من القول بان على الدولة ان تصدر قوانين خاصة بالمطبوعات والإعلام بالشكل الذي لا يقيد الحريات الواردة في أعلاه .
        ومن هنا يتبين إن للإنسان الحق الكامل في الإيمان بالآراء والأفكار والعـقائد واعتناقها ، ونشرها وبثها كما يريد ومتى يشاء وممارستها في العلانية والسر ، كما له الحق في تغييرها في أي وقت يشاء دون أن يناله بسبب ذلك أي أذى أو إزعاج أو انتقاص من الحقوق كالمضايقة أو الإكراه على التنازل والتخلي عن ذلك الفكر والاعتقاد أو المنع أو الحجز أو التعذيب أو الإبعاد أو النفي أو الإعدام وغيرها ، وقد جاء تأكيد هذه الحقوق في المواد (17و18و19) من وثيقة العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ، مضيفة عليها بإلزام الدول بصيانة تلك الحقوق لكل شخص ، إذا لم تكن تهدد الأمن الوطني أو النظام والمصلحة العامة أو الصحة والأخلاق ، وان لم تكن تسيء إلى سمعة الآخرين دون وجه حق .
        وعلى الرغم من أن جميع الأديان السماوية منها وغير السماوية تقر بوجود أديان مختلفة في العالم بغض النظر عن أحقية أي منها بالاعتقاد والالتزام ، فإنها تختلف عن القوانين المدنية في كيفية معالجة هذه الحقوق ، بل ان القوانين المدنية نفسها تختلف من دولة إلى أخرى في كيفية ممارسة هذه الحقوق ، إذ ان من حيث المبدأ فان القوانين المدنية تجيز للفرد تغير دينه أو التخلي عنه وعدم اعتناق أي دين أو التحول من دين إلى آخر متى يشاء استنادا إلى لائحة حقوق الإنسان ، في حين ان الأديان لا تجيز لمعتنقيها ترك الدين أو  التحول إلى دين آخر ، علما أنها تعترف بحرية الاعتقاد كما ورد في الآية الكريمة  {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}([iii]) وكذلك الاعتراف بوجود أديان مختلفة {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ }([iv]) ،فالمسلم مثلاً لا يجوز أن يغير دينه أي كانت الأسباب ، وفي حالة حدوث ذلك ، فانه يعد مرتداً ، والمرتد مهدور دمه ، كما ورد في الحديث النبوي ((من بدل دينه فاقتلوه))([v]) ، أما بالنسبة إلى الأديان الأخرى فعلى اقل تقدير إن الذي يغير دينه يحرم من بعض الحقوق الارثية كما هو الحال بالنسبة إلى المسيحيين. ويبدو إن البشر بحاجة لتجاوز جميع القيود الدينية وغيرها والحدود الجغرافية والوصول إلى حالة الإنسانية التي تقبل بالجميع بأديانهم وأفكارهم وعاداتهم وثقافاتهم ، وليس غريباً أن يدعو عدد من الرموز التاريخية إلى مثل تلك الحالة ، فها هو الفيلسوف والمتصوف محي الدين ابن عربي (1165-1243) يقول:
لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي
لقد صار قلبي قابلاً كل صورة
وبيـت لأوثان وكعبة طـائف
أدين بدين الحب أنى توجـهت


إذا لم يكن ديـني إلى دينه دان
فمرعى لغـزلان ودير لرهبان
وألواح تـوراة ومصحف قرآن
ركائبه فالحب ديني وإيماني


وفي المجتمعات المدنية ، نجد على الرغم من تمتع الفرد بالحرية الكاملة في مسألة الاعتناق والمعتقد ، إلا أن ممارسة الفرائض الدينية وبعض الطقوس محرمة حتى في أكثر الدول ديمقراطية ، فمثلاً ان ارتداء الحجاب في الدوائر الرسمية في فرنسا ممنوع ، وفي تركيا أيضاً فان المحجبات لا يسمح لهن بدخول المدارس والجامعات ، أما في بعض الدول الإسلامية ، فان بعض الشعائر الدينية الذي يقيمها أتباع المذهب ألاثني عشري (المذهب الجعفري) ، مثل عاشوراء وأربعينية الإمام الحسين (عليه السلام) يمنع إقامتها كما هو الحال على سبيل المثال لا الحصر في المملكة العربية السعودية ، وفي بعض الدول الأخرى يتعرضون إلى مضايقات عند ممارستهم لتلك الشعائر ، وتصل إلى حد التهديد من قبل بعض الجماعات وليست السلطات كما هو الحال مثلاً في باكستان وبنغلادش .


[i])) القرآن الكريم ، سورة سبأ ، الآية (46) .
[ii])) حديث رواه الترمذي والنسائي .
[iii])) القرآن الكريم ، سورة البقرة ، الآية (256) .
[iv])) القرآن الكريم ، سورة الكافرون ، الآية (6) .
[v])) موسوعة الحديث النبوي الشريف ، سنن ابن ماجة ، كتاب الحدود .

الجمعة، 21 أكتوبر 2011

نهاية القذافي: نهاية شخص أم نهاية للطغاة


يعد يوم 21 تشرين الأول 2011 يوما تاريخياً بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، ليس لليبيين فقط، بل لكل دعاة الحرية والنظام المدني، لماذا ؟، لان القذافي الذي تسلم الحكم منذ أيلول (سبتمبر) 1969 وحتى 21 تشرين الأول 2011 . حكم ليبيا حكما دكتاتوريا ومارس كل انواع القهر ضد شعبه وأخذ يرى نفسه فوق كل المعايير والمقاييس. فهو عميد القادة العرب وملك ملوك إفريقيا والزعيم وغيرها من الألقاب والصفات التي أطلقها على نفسه أو أطلقها الآخرون عليه تملقا ورياءً . فبعد عقدين ونيف من الحكم المنفرد لابد أن الطفل الليبي الذي ولد وكان قائده العقيد وشاب وقائده العقيد ولربما يغادر الحياة وقائده العقيد. كان لابد أن يفكر ولو لوهلة بالتغيير لابد له أن يرى رئيسا آخر يقود البلاد نحو المدنية والديمقراطية. وهذه حالة طبيعية عند البشر، فهو بالفطرة يحب التغيير والتجدد، ولكن القادة العرب ومن ورائهم بعض من القادة الأجانب من أميركا الوسطى وإفريقيا كانوا بعيدين جداً في تفكيرهم من أن نهاية مؤلمة تنتظرهم وعائلاتهم. إذ دأبوا خلال سنوات حكمهم الطوال في بناء قوات أمنية خاصة وجيوش على أسس غير مهنية بل جيش لا يؤمن بحكم غير حكمهم ولا ولاء له سوى الولاء له ولحزبه وهذا كان حال الرئيس العراقي واليمني والليبي والسوري والتونسي والسوداني وحتى المصري إذ استثنينا الجيش من تلك القوات. ولم يكتفِ هؤلاء بتهيئة ظروف الحكم لأنفسهم فحسب، بل إن كل واحد من هؤلاء اخذ يدرب أبنائه ويهيأ لهم الظروف المناسبة لاستلام الحكم من بعده .
إن من الواضح إن أحلام القادة العرب لم تتحقق ولن تتحقق. إذ افشل الربيع العربي مبتغاهم في توريث الأنظمة الجمهورية لأبنائهم. فقد بدأت هذه الأنظمة تنهار واحدا بعد آخر. بعد أن أشعل محمد البوعزيزي ثورة قلبت حسابات كل القادة العرب رأساً على عقب. وخير ما فعل صاحب أقوى نظام امني عربي واقصد هنا زين العابدين بن علي رئيس الجمهورية التونسية. ان افلت بجلده بعد الثورة الشعبية التي امتدت من مدينة بوزيد إلى معظم المدن التونسية الأخرى. وقد جنب بذلك بلاده صراعا دمويا لربما كان يكلف تونس كثيرا من الأرواح والأموال. كما انه أيضاً قد حفظ ماء وجهه وحياته في الوقت نفسه. إذ كان من الممكن ان يلقى المصير الذي لقيه القذافي وأبنائه. أو حتى مصير الرئيس المصري حسني مبارك الذي لا يسر صديق، لأنه تأخر كثيرا في تقديم تنازله عن الحكم على الرغم من المناشدات والدعوات من الداخل والخارج، ويبدو ان هؤلاء القادة لم يفهموا الشعار الذي رفعه المتظاهرون في جميع الدول العربية الثائرة ((ارحل.ارحل.ارحل)). وان فعلوا ورحلوا لما ووصلوا إلى هذا المصير، ويبدو ان بشار الأسد وعلي عبدالله صالح، لم يدركا بعد خطورة إصرارهما على البقاء في السلطة، وتمسكهما الشديد بكرسيها. وليس ببعيد ان يلقيا مصير القذافي، لاسيما ان جميع القادة قالوا الكلام نفسه، أي ان ظروف مصر تختلف عن تونس وليبيا تختلف عن تونس ومصر، واليمن تختلف عن تونس ومصر وليبيا، وسوريا تختلف عن جميع الدول التي حدثت فيها الثورات، ومن المفيد ان نذكر هنا ان تجربة العراق كانت عبرة لهؤلاء ولكنهم لم يعتبروا، بحجة ان سقوط الرئيس العراقي صدام حسين ونظامه البعثي في نيسان 2003 الذي جثم على صدر الشعب العراقي (35) عاما، كان اثر احتلال أجنبي وبالتالي هم بمنأى عن ذلك المصير، واستمروا في العمل من اجل البقاء في الحكم ومن بعدهم لأبنائهم. وليكن كذلك ولكن ثورة الشعب أقوى من أية دبابة أجنبية أو طائرة بدون طيار أو طائرة أباتشي أو صاروخ توما هوك وغيرها من الأسلحة الغربية الفتاكة، فثورة الشعب كالتسونامي الذي يجرف أمامه كل ما ثقل حمله أو خف، فمتى يعتبر هؤلاء؟.
إن مقتل القذافي –اللهم لا شماتة- وكذلك ابنيه خميس والمعتصم في يوم واحد ولا زال مصير سيف الإسلام مجهولاً حتى كتابة هذه الأسطر، وتشرد من تبقى من عائلته في البلاد الأجنبية كالنيجر والجزائر وغيرهما. فهل يا ترى سيدرك صالح والأسد ما حصل للقذافي وعائلته وزبانيته فيرحلا حتى لا يواجهان المصير ذاته؟. ومن المفيد القول هنا ان الشعارات التي أخذ الثوار يرفعونها ويرددونها منذ مقتل القذافي في كلا البلدين تعد رسالة واضحة لهما. فقد زاد الحِراك الشعبي في البلدين، بل ان الحادثة زادت الجرأة لدى الثوار في سوريا ومنحتهم القوة، وانه مهما طال بهم الوقت فان نهاية الاسد وصالح ستأتي يوماً. إذ شهدنا لأول مرة الشبان السوريون يتعرضون لدبابات الجيش السوري بالحجارة ويقطعون الطرقات على العربات العسكرية دون خوف أو وجل وكذلك الحال في اليمن، ومن البديهي ان يقف الأسد وصالح ولو للحظة ليفكروا بمصيرهم بعد ان فقدوا صديقهم القذافي، ولاسيما الأسد الذي قدم العون والدعم اللوجستي للنظام الليبي خلال محنته حسب وكالات الإعلام، ولعلنا نستطيع ان نقدم دليلاً في هذا الجانب، إذ أن القناة الفضائية الوحيدة التي تدعم القذافي ونظامه بعد سيطرة الثوار على طرابلس هي قناة الرأي لصاحبها مشعان الجبوري كانت تذاع من سوريا وهي التي تنقل خطابات الزعيم الليبي خلال فترة اختبائه وتنقله من مكان إلى آخر أو لربما من سرداب إلى آخر. ومن الملفت ان هؤلاء القادة الذين يدعون المقاومة والجهاد وأي كانت التسميات يعيشون الأيام الأخيرة من حياتهم في السراديب والحفر. وهذا الذي حدث مع القذافي الذي عاش في السراديب منذ انطلاقة الثورة في 17 فبراير (شباط) وكان يظهر بين الحين والآخر ليتنفس الهواء ويشحذ همم رجاله الذين كان يقول بأنهم يعدون بالملايين الذين سيزحفون على المدن التي حررها الثوار من قبل، وما أن يسمع أزيز الطائرات أو صوت إطلاق نار حتى كان يزحف هو نحو سردابه أو حفرته. ومن الجدير بالإشارة ان القذافي طالما وصف معارضيه بالجرذان التي تختبئ في الحفر وانه وجماعته سيلاحقونهم زنقة زنقة ودار دار وحفرة حفرة، إلا انه في النهاية كان مصيره ان ينتقل بين مدينة وأخرى وبيت وآخر وزنقة وأخرى، وفي نهاية المطاف تم إلقاء القبض عليه في حفرة أو بالأحرى مجرىً للماء، ثم قتله . والسؤال المهم هنا هل تعد نهاية القذافي نهاية للطغاة؟. يبدو إنها كذلك فإذا لم يستجب الأسد وصالح للنداء الأخير من قبل الشعبين السوري واليمني ويرحلا بما بقي لهما من ماء الوجه والنفوذ، أو أن يتحضرا للقاء قريب مع شعبهما كلقاء ثوار ليبيا بالقذافي.

الجمعة، 7 أكتوبر 2011

حقوق الانسان السياسية


       كانت الإنسانية في نضال دءوب _ولا تزال_ من اجل نيل الإنسان حقوقه في جميع المجالات ، وبشكل خاص في المجال السياسي ، منذ أن كانت المجتمعات القديمة تحكم وفقاً لنظرية الحكم الإلهي (نظرية الحكم المطلق) ، على اعتبار أن الحاكم هو الإله ، وبالتالي فان أحكامه وقراراته تعد قطعية لا مجال لمناقشتها أو الاعتراض عليها ، وكانت المجتمعات في تلك العصور مقسمة إلى عدة طبقات مثل طبقة النبلاء أو الأشراف أو اللوردات وطبقة رجال الدين والطبقة العامة التي كانت تشمل غالبية السكان وتضم بشكل عام العمال والفلاحين والحرفيين ، وكذلك طبقة العبيد ، وهي الطبقة التي كانت محرومة من جميع حقوقها سواء على الصعيد الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي ، فقد كانت حريتها مصادرة ولا يمتلك حتى حقوق المواطنة ، ولم يكن الحال يختلف كثيراً لدى الطبقة العامة ، ففي المجال السياسي وفي الوقت الذي كانت هذه الطبقة تتحمل أعباء خزينة الدولة والدفاع عنها ، عن طريق دفع الضرائب والعمل في الحقول الزراعية والصناعات المختلفة والدفع بأبنائها إلى ساحات الحروب ، كانت حقوقها السياسية مصادرة ، فقد كانت السلطة تتمركز في طبقة النبلاء ورجال الدين ، ولم تكن الفرصة متاحة أمام هذه الطبقة للمشاركة في إدارة البلاد وصناعة القرار فيها ، لذا فان نضال الإنسان قديماً كان من اجل نيل حريته من القيود الاجتماعية والاقتصادية المفروضة عليه .
       أخذ مفهوم المشاركة السياسية يتطور رويداً رويداً في العصور القديمة بعد الحرمان الذي عاشته المجتمعات في العصور القديمة ، عن طريق ظهور الدعوات إلى الديمقراطية والنضال من اجل التحرر من النير الأجنبي وسلطة الحكام الفردية ، ففي المجتمع الإغريقي ومن ثم اليوناني ظهر مفهوم الديمقراطية وتطور ، وعلى الرغم من عدم تداول مصطلح الديمقراطية في الحضارات الأخرى قديماً ، إلا أن مظاهر الديمقراطية لم تكن غائبة عنها مثل حضارة بلاد الرافدين ، إذ ظهرت المجالس الخاصة بالإدارة والحكم ، كما الحال في دويلات المدن السومرية ، ثم تطورت أنظمة الحكم شيئاً فشيئاً ، وتم إقامة مجالس تمثيلية تعبر عن إرادة الجماهير ، وان اختلفت طرق إقامتها عما هو عليه الحال الآن ، وقد أسهمت الشرائع الدينية في تطور أنظمة الحكم والمشاركة السياسية ، خاصة إن جوهرها قائم على أساس تحقيق العدل والمساواة والحرية وطاعة أولي الأمر والحرية في إبداء الرأي والحوار حول المسائل المختلفة ، والشورى خير تعبير عن إرادة الناس ، وقد أكده القرآن الكريم في أكثر من موقع {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون} ، كما ان الشورى والحوار يؤديان إلى دوام الحكم والطاعة وقوة السلطان وتحقيق العدل المنشود {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} سورة آل عمران ، الآية (159) .
       وقد أكد الرسول (صلى الله عليه وسلم) ، على مسألة الشورى ، ودورها في بناء مجتمع قائم على العدالة ، واتخاذ القرارات الصحيحة في عدة أحاديث نبوية ، منها (( ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم)) ، وكذلك ((ما ندم من استشار ولا خاب من استخار)) ، وأكد أيضاً أن المشورة تسهل على الإنسان أمره (( ما شقي عبد بمشورة ، وما سعد باستغناء رأي)) ، وكان الرسول (صلى الله عليه وسلم) يشاور أصحابه وأهل الرأي في اشد أمور حساسية وخطورة ويأخذ برأيهم ، ومثال ذلك يوم معركة بدر عندما نزل الرسول (صلى الله عليه وسلم)  بقواته في مكان بالقرب من الآبار ، فجاء الحباب بن المنذر إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم)  مقترحاً تغير المكان بالقول " يا رسول الله أرأيت هذا المنزل ، أمنزلاً أنزلك الله ليس لنا أن نتقدمه ، ولا نتأخر عنه ، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال : بل هو الرأي والحرب والمكيدة ، فقال يا رسول الله ليس هذا بمنزل ، فانهض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم ، فننزله ، ثم نغور ما وراءه من القلب –الآبار- ثم نبني عليه حوضاً فنملؤه ماء ، ثم نقاتل القوم ، فنشرب ولا يشربون ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : لقد أشرت بالرأي" ، فوافق الرسول (صلى الله عليه وسلم)  على خطته ، وقام المسلمين بغور الآبار ، وكان لهذه الخطة من الناحية العسكرية اثر كبير في انتصار المسلمين في تلك المعركة .
       وفي ظل تطور الوعي السياسي والاجتماعي ، شهد العالم حركات جماهيرية من اجل المشاركة السياسية وضمان حقوق الفرد وتقييد سلطة الحكام ، فكان ولادة أول دستور في العالم في سنة 1215 في بريطانيا عرف بالعهد العظيم (الماكناكارتا) ، وتطورت الديمقراطية بشكل اكبر في القرنين الأخيرين مع حدوث الثورات القومية وظهور دول قومية وإقامة أنظمة حكم جديدة فيها مثل النظام الجمهوري وظهور البرلمانات الحديثة التي تجاوزت الأنظمة البرلمانية القديمة التي كانت قائمة على أساس التمثيل الطبقي ، مثال ذلك مجلس اللوردات ومجلس العموم في بريطانيا وطبقة النبلاء والطبقة العامة في فرنسا ، فالمشاركة في السلطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، وسن الدساتير وتشريع القوانين التي تكفل حقوق المواطن السياسية ، وقد أتاحت تلك التطورات الفرص أمام الجميع لإدارة البلاد ، بعد القضاء على جميع مظاهر التمييز بسبب الجنس أو العنصر أو الدين أو اللغة أو المنزلة الاجتماعية ، إذ صدرت العشرات من المواثيق والاتفاقيات الدولية التي تعالج هذه المسائل ، مثل الاتفاقية الخاصة بمنع الرق لسنة 1926 والبروتوكول الخاص بالرق في سنة 1953 ، والاتفاقية التكميلية لسنة 1956 ، والاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصرية والمعاقبة عليها لسنة 1973 ، والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري لسنة 1965 ، والاتفاقية الخاصة حول الحقوق السياسية للمرأة لسنة 1952 وغيرها .
       وقد تناولت لائحة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 حقوق الإنسان السياسية في المادتين (20) و(21) ، وقد تم تأكيد تلك الحقوق في وثيقة العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966 ، وقد أوضحت الأخيرة بشكل تفصيلي ماهية الحقوق السياسية للإنسان وكيفية تأمينها له وقد ألزمت الوثيقة الدول الموقعة عليها بالالتزام بالعهد ، وإتاحة الفرص أمام الجميع للمشاركة في إدارة الدولة بصورة مباشرة أو عن طريق ممثلين عنه ، واهم الحقوق السياسية هي :
حق تقرير المصير وتكوين الدولة
       عانت الشعوب كثيراً وعلى مر العصور في العالم من مآسي كثيرة بسبب الاضطهاد الداخلي والاحتلال الخارجي ، فعلى الصعيد الداخلي ، لم يكن الشعب يمتلك إرادة سياسية في السلطة والإدارة ، والحكم الديكتاتوري هو السمة البارزة لأنظمة الحكم في إنحاء مختلفة من العالم ، في حين خضعت شعوب أخرى للاحتلال الأجنبي ، وبقيت تحت الاحتلال لفترات طويلة عانت من آثارها وبعضها لا يزال يعاني ، وقد سطرت الشعوب بطولات ونضال طويل ضد القوى المحلية التي كانت تسلب الشعب إرادته ، وكذلك ضد المحتل الأجنبي ، إذ دخلت في معارك طويلة و ثورات مستمرة ونضال لم يتوقف ، وقد كلفت الشعوب ذلك تضحيات بشرية وموارد اقتصادية هائلة ، أملا في التحرر وإقامة نظام سياسي يضمن للجميع المشاركة في الحكم ، أو بناء كيان سياسي خاص به بعيد عن السيطرة الأجنبية ، والحرية في رسم سياسة البلاد وإدارة ثرواتها الطبيعية .
       إن النضال الطويل للشعوب ، والمآسي التي عانت منها ، قاد المجتمع الدولي وقادته إلى تبني فكرة تقرير المصير للشعوب ، وقد أصبحت الفكرة أكثر وضوحاً وإلحاحا خلال الحرب العالمية الثانية (1939-1945) ، ففي الإعلان المعروف بالتصريح الأطلنطي الذي صدر على اثر الاجتماع الذي عقد بين الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت ورئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل في 14 آب 1941 ، تم طرح قضية تقرير المصير للشعوب التي لم تنل استقلالها ، وقد تم اعتماد مبدأ تقرير المصير في إعلان الأمم المتحدة الصادر في 1 كانون الثاني 1942 ، واقر في أول مادة من ميثاق هيئة الأمم المتحدة الذي وقع في سان فرانسيسكو في الولايات المتحدة الأميركية سنة 1945 ، واعتبر من الأهداف الأساسية التي سوف يسعى المجتمع الدولي لتحقيقه ، وتطبيقاً لهذا المبدأ ، فقد أصدرت الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة في 14 كانون الأول 1960 إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة ، وتم تشكيل لجنة خاصة في الأمم المتحدة سنة 1961 لتصفية الاستعمار ، وشجعت الشعوب الخاضعة للاستعمار على التحرر وبشتى الوسائل ، وأجازت استخدام القوة للوصول إلى حق تقرير المصير .
       أكدت المادة الأولى من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية على حق الشعوب في نيل استقلالها وتقرير مصيرها ، واستناد لهذا الحق لأي شعب الحق في أن يقرر بحرية إقامة كيان سياسي له وان يواصل بحرية نموه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي ، وان يتصرف بحرية بموارده وثروته ، وأكدت المادة أيضاً على التعاون الدولي في تحقيق هذا الهدف السـامي .
       نال عدد كبير من الشعوب على حقوقها في تقرير المصير ، بجهودها الذاتية من خلال رفض الاستعمار والنضال العسكري والسياسي ، وبعضها الآخر بالتعاون مع المجتمع الدولي مثل ناميبيا في سنة 1990 ، ولم يبق اليوم سوى عدد قليل من الشعوب التي لم تستطع ان تقرر مصيرها على الرغم من النضال الدءوب لها وبمختلف الأشكال ، نتيجة للظروف الداخلية والخارجية بما في ذلك الظروف الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية التي أصبحت عائقا أمامها في تحقيق أمنيتها في الاستقلال والتحرر مثل الشعب الفلسطيني والكوردي والشيشاني والكشميري والايرلندي وغيرها ، فبدأت تبحث عن البدائل للاستقلال وإقامة كيان سياسي خاص بها ، كما انه وعلى الرغم من ان اغلب الأمم قد نالت استقلالها ، إلا أن بعضها لازالت تعاني من التسلط الداخلي والحكم الفردي الذي لا يتيح الفرصة أمام الشعب في المشاركة في إدارة البلاد ولا يقل تأثيره عن الاحتلال الأجنبي .
حق المشاركة في الميدان السياسي
       يعد الشعب مصدر السلطات ، والحاكم يجب أن ينال رضى المحكومين لإضفاء الشرعية على حكمه ، والمواطنين هم سواسية في الحقوق والواجبات ، ويجب تحقيق العدالة في جميع مفاصل الحياة في الدولة فالمواطن باعتباره اللبنة الأساسية في قيام المجتمع ، له الحق في إدارة البلاد بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، ومن هذا المنطلق ، فقد عالجت لائحة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 الحقوق السياسية للفرد في المادة (21) ، وجاء فيها :
1- لكل فرد الحق في الاشتراك في إدارة الشؤون العامة لبلاده أما مباشرة وأما بواسطة ممثلين يختارون اختياراً حراً .
2-   لكل شخص نفس الحق الذي لغيره في تقلد الوظائف العامة في البلاد .
3- إن إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة ، ويعبر عن هذه الإرادة بانتخابات نزيهة دورية تجري على أساس الاقتراع السري وعلى قدم المساواة بين الجميع أو حسب أي إجراء مماثل يضمن حرية التصويت .
إن الوسيلة الناجعة للمشاركة في السلطة وإدارة البلاد هي الانتخابات الحرة والنزيهة ، والتي أصبحت ظاهرة صحية في المجتمعات المتقدمة ، إذ أن من حق الإنسان أن يرشح نفسه للوظائف العليا في الدولة وفقاً للقوانين التي يجب أن توضع على أساس المواطنة الصالحة ، فان نيل المرشح ثقة الجماهير يعطيه الشرعية الكاملة للحكم ، ويحكم باسمها .
       تتوقف الانتخابات على مبدأي الترشيح والتصويت ، وفي كل دولة في العالم هناك قوانين خاصة بها ، ولا يجوز منع الأشخاص من الترشيح ، إذ كان الشخص متوفر فيه الشروط القانونية للترشيح ، ولا يجوز تحت أي ظرف إبعاد بعض الأشخاص أو حرمانهم من هذا الحق لأسباب سياسية ، وفي العادة ان قوانين الترشيح تؤكد على مسألة العمر وعدم ارتكاب الشخص المرشح لجريمة جنائية أو مخلة بالشرف ، أو محكوماً بجريمة غير سياسـية ، وكونه من مواطني البلاد حسب قوانين الأحوال الشخصية ، وكذلك الحال بالنسبة للناخب ، ويجب ان يتوفر فيه الشروط القانونية ، فيما يخص العمر والمواطنة ، ويجوز هنا للمحكومين والمحجوزين في المشاركة في عملية التصويت ، والاهم من هذا كله في عملية التصويت هو ان يكون الناخب حراً في انتخاب الشخص الذي يجده مناسباً لتمثيله والنيابة عنه في إدارة البلاد وصناعة القرار وسن القوانين ، إذ ان الانتخابات الحرة النزيهة ، أصبحت الوسيلة لترجمة الشعب حقوقه في اختيار الممثلين عنه في الحكم ، وهي المقدمة الأساسية لحرية الشعوب وحكم نفسها بنفسها وضمان عدم وجود أنظمة حكم استبدادية تهدد الأمن والسلام في الداخل والخارج ، حيث ان الشعوب قد مرت بتجارب مريرة جديدة بسبب الأنظمة الشمولية ودخلت في حروب عالمية وإقليمية دون إرادتها ، وانقلابات داخلية واغتيالات سياسية .
       أصبحت الانتخابات اليوم تؤدي دورا مهما في الحياة السياسية للشعوب ، وتختصر عليها الطريق في اختيار الحكام ، وتجنبها الدخول في مشاكل تهدد الأمن والنظام ، وتحافظ على الموارد الاقتصادية في البلاد ، إذ كانت الشعوب قديماً بحاجة إلى القيام بالثورات والانقلابات والاغتيالات من اجل تغيير الحكام المفسدين والإداريين المتسلطين ، وكلها كانت تكلف البلاد التضحيات البشرية الكبيرة هدر أموالها والإخلال بالأمن والسلام فيها ، فالنظام الديمقراطي يجنب الشعوب تلك المشاكل والمآسي ، وقد عبر عن ذلك الباحث الاجتماعي العراقي الدكتور علي الوردي بالقول " قلنا ونعيد القول هنا : إن الديمقراطية ليست إلا (ثورة بيضاء) حيث يبدل الشعب حكامه بواسطة الانتخاب حيناً بعد حين . والشعوب الآن تستخدم أوراق التصويت لعين الغرض الذي كان تستخدم السيوف من اجله قديما" .
تأسيس الأحزاب والتجمعات السياسية
       إن تكوين الأحزاب والجمعيات تعد من الأنشطة المهمة في توجيه المجتمع سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ، ويعد وجودها من المظاهر الصحية ، طالما تلتزم بالحدود القانونية ولا تلحق ضرراً بالمصلحة العامة للجماهير ، وتعمل على خدمة المجتمع ، من خلال العمل على تقديم الأفضل للمواطن ، وحث الحكومة والضغط عليها لتبني مشاريع تخدم المجتمع ، كما ان الأحزاب من شأنها ان تكون جهة رقابية في متابعة أعمال الحكومة ، وتنوير الجماهير بما يجري في البلاد ، وتعرية سياسات الحكومة على الصعيد الداخلي والخارجي .
       عملت اغلب دول العالم على وضع قوانين خاصة بإجازة الأحزاب والجمعيات ، تماشياً مع قوانين البلاد ودستورها ، ويؤدي هذا الإجراء إلى وضع أعمال الأحزاب والجمعيات في الإطار القانوني ، وبالتالي سوف لن تخرج عن إطار المصلحة العليا للبلاد من جهة ، ومصلحة المجتمع من جهة أخرى ، إلا ان من المؤسف في بعض البلدان ، توضع قيوداً وقوانين صارمة على تأسيس الأحزاب والجمعيات وأعمالها ، وعادة توضع القوانين فيها بما ينسجم وأهداف الأنظمة الحاكمة ، الأمر الذي يؤدي إلى عدم ظهور أحزاب فعالة على الساحة ، وفي أحيان كثيرة ، تقود هذه المسألة إلى تشكيل أحزاب وجمعيات سرية لها برامج وطنية تخدم المواطن والبلاد وتدافع عن حقوق شرائح وطوائف مختلفة من المجتمع ، من خلال نشاطها السري ، مثل توزيع المنشورات ، والتحريض على إقامة التظاهرات ، وإصدار صحف سرية ، وفتح قنوات إذاعية سرية ، وفي أحيان كثيرة تقود هذه الأحزاب والجمعيات حركات مسلحة من اجل نيل جماهيرها حقوقها ، وغيرها من الوسائل .
       لقد كفل لائحة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 ، هذا الحق في المادة (20) ، فقد جاء فيها ، ان لكل فرد الحق في حرية الاشتراك في الجمعيات والجماعات السلمية ، كما لا يجوز إرغام أي شخص على الانضمام إلى أي حزب أو جمعية ما ، وأضافت وثيقة العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966 ، بأنه لا يجوز وضع القيود على هذا الحق من قبل الحكومات ، طالما يتماشى مع مصالح الأمن الوطني والسلامة العامة والنظام العام ويحفظ حقوق الآخرين ، ويظهر من خلال ما ورد في هاتين اللائحتين ، إنهما قد وضعتا من قبل الجهات الرسمية ( أي حكومات الدول) ولهذا أكدت على مسألة الأحزاب والجمعيات السلمية ، ولم تأخذ بنظر الاعتبار ان الأحزاب التي تحمل السلاح ، قد تكون هي الأخرى تدافع عن مصلحة المجتمع من خلال مقاومة الأنظمة الشمولية التي لا تلبي رغبات وحقوق الشعب أو فئات منه .

التظاهر 
       يعد حق التظاهر والتجمع السلمي من أوجه الممارسة الفعلية لحرية الفكر والرأي والتعبير ، فأن التقاء الأفراد بصورة تلقائية أو وفق أسلوب منظم مسبقاً للتعبير عن اتجاه معين أو إظهار موقف ما أو الاحتفال بمناسبة ما من حق كل فرد ، وقد يكون التجمع لأسباب سياسية أو غير ذلك ، إذ أن المشاركة في هذه الممارسات حق لكل إنسان ، كما ان من حقه أيضاً عدم المشاركة ، ولا يجوز إرغام الأشخاص على المشاركة في مثل هذه الممارسات ، فمثلاً ، إذا دعت السلطات إلى اجتماع ما لأمر سياسي أو ما شابه ذلك ، فان من حق الأفراد قبول المشاركة فيه أو رفضها ، ويجب ان لا يترتب على عدم مشاركته أية عقوبات أو اهانة أو مضايقة من قبل السلطة .
       تقدم الأحزاب والتجمعات السلمية وكذلك الحكومات والتيارات المختلفة ، على إقامة اجتماعات أو تظاهرات في المناسبات الوطنية والقومية والدولية وذلك بدعوة الأشخاص والجماهير إلى المشاركة فيها ، وتقام عادة تلك المناسبات إما في القاعات أو في الساحات العامة أو من خلال السير في الشوارع ، ويجري خلال المناسبة ترديد الهتافات والشعارات وإلقاء الخطب حسب المناسبة ، وتدخل هذه الممارسات ضمن حقوق الفرد في التعبير وحقه في التجمع ، وتهدف عادة إلى إيصال صوت المتواجدين ومؤيديهم إلى الجهات المسؤولة أو تنوير الرأي العام في مسألة معينة مثل التنديد بسياسات الحكومة أو الدعوة إلى الإصلاح أو تغيير الحكام والمفسدين أو المشاركة في الإدارة ، أو الاحتفال بمناسبة وطنية كيوم الاستقلال أو اليوم الوطني للدولة ، أو قومية كالأعياد القومية ، أو دولية ، مثل عيد العمال العالمي (1 أيار) أو يوم المرأة العالمي (8 شباط) ، أو مناسبات دينية مثل أعياد الميلاد (25كانون الأول-1كانون الثاني) والمولد النبوي (12 ربيع الأول) ، أو إقامة بعض الشعائر وغيرها .
       أكدت القوانين الدولية على هذا الحق على أن يراعى القوانين في ممارسة هذا الحق ، حفاظاً على السلم والأمن الوطنيين ، كما ورد في المادة (21) من وثيقة العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966 ، وقد شهدت العالم الكثير من التظاهرات والمناسبات بعضها خرج عن إطار القانون ، وكانت تطالب بالإصلاح السياسي مثل التظاهرات التي تقام بين الحين ولآخر في مصر من قبل حركة إخوان المسلمين وحركة كفاية وحزب الغد ، وأخرى تطالب بتغيير نظام الحكم كما حدثت في النيبال إذ دعا المتظاهرين إلى إنهاء الحكم الملكي وإقامة النظام الجمهوري ، وأخرى تطالب بحق تقرير المصير ومثال ذلك ما حدث في كوسوفو ، وأدت بعضها إلى صدامات دموية أسفرت عن قتل الآلاف من المتظاهرين والمحتفلين ، مثل ما حدث في باكستان والهند والنيبال والعراق وفلسطين ومصر وغيرها .