الدكتور نبيل المظفري facebook

لصق الكود

السبت، 10 نوفمبر 2012

الاعلان الفرنسي لحقوق الانسان: دوافعه ومضمونه


فرنسا وإعلان حقوق الإنسان والمواطن
        كانت فرنسا تعيش في ظلام العصور الوسطى، إذ كانت غائبة عنها روح التسامح والعدالة الاجتماعية والمساواة السياسية والقضائية، فضلاً عن الفقر المدقع الذي كانت تعانيه غالبية الشعب الفرنسي، فالملوك يمارسون الحكم المطلق، والطبقات المتنفذة تهيمن على مقدرات البلاد وتمتلك الإقطاعيات والكنيسة وطبقة رجال الدين الاكليروس تتمتع بامتيازات لا حدود لها، في الوقت الذي كانت الحريات العامة لا وجود لها إلا في ضمير الأحرار ومخيلتهم لا سيطرة له ولا سلطان على مقدراته ومصيره([1]) .
        إن نظرة سريعة في الأسباب التي كانت تقف وراء قيام الثورة الفرنسية، تطلعنا على حجم المعاناة الإنسانية في فرنسا، فكلها تصب في خانة حقوق الإنسان، أي أن فقدان الإنسان لحقوقه في تلك البلاد، هو السبب الذي كان وراء تلك الثورة الجبارة التي غيرت كثيراً في الواقع السياسي والاجتماعي ليس في فرنسا فحسب، بل في أنحاء مختلفة من العالم، وبخاصة في أوربا، فالملك يحكم البلاد حكماً مطلقاً ولا مرد لقراراته ولا تحديد لسلطاته، ولعل ما قاله الملك لويس الرابع عشر (1661-1705) خير تعبير على ما كانت عليها فرنسا "الدولة هي أنا"([2])، أما البرلمان الفرنسي (مجلس الطبقات) الذي كانت جذوره تمتد إلى العصور الوسطى، لم يكن يمثل الشعب بشكل عادل، فقد كانت هناك ثلاث طبقات هي النبلاء (الأشراف) ورجال الدين (الاكليروس) والطبقة العامة التي كانت تمثل غالبية الشعب الفرنسي من الفلاحين والبرجوازية الصغيرة أي أنها تمثل حوالي (25) مليون نسمة قبيل الثورة في سنة 1789، في حين لم تكن طبقتي النبلاء ورجال الدين يمثلون إلا حوالي مليون نسمة فقط، بينما كانت تهيمنان على مقدرات البلاد، وتتمتعان بالامتيازات التقليدية التي حصلتا عليها في العصور الوسطى وعصر الإقطاع، فقد كان النبلاء يملكون أراضي واسعة يستغلونها بواسطة الفلاحين والعبيد، ولهم الحق في شغل المناصب العليا في الجيش والإدارة والقضاء دون غيرهم، كما لهم الحق في فرض ضرائب معينة على الفلاحين في اقطاعاتهم مثل حق القضاء وإجبارهم على الطحن والعصر في مصانع النبلاء، فضلاً عن الإعفاءات الضريبية والالتزامات المالية الأخرى تجاه الدولة، وكذلك الحال بالنسبة إلى طبقة رجال الدين، أما الطبقة العامة فقد كانت تتحمل أعباء الدولة كلها من دفع الضرائب والخدمة العسكرية وخدمة الأشراف والكنيسة ورجال الدين، وكانت محرومة من ابسط الحقوق الطبيعية كالحرية والمساواة أمام القانون وحق اختيار النظام السياسي الذي يلبي رغباته([3]) .

الثورة الفرنسية
        كان مجلس الطبقات يتكون من 1154 نائباً منهم (291) من طبقة رجال الدين و(285) من طبقة النبلاء، وكانت الأغلبية المطلقة من هاتين الطبقتين من المؤيدين للملك، وكان من بينهم أيضاً عدد من الشخصيات التي تقف إلى جانب الطبقة العامة في حقوقها وقراراتها من أمثال تاليران (Talleyrand) وكريكوري (Gregoire) من طبقة رجال الدين ولافييت (Le Fayette) والكونت دي نواي (De Noailles)، أما الطبقة الثالثة (العامة) كانت تتألف من (578) نائباً بينهم أشهر شخصيات فرنسا من أمثال ميرابو وروبسبيير وسييز وبالي (Bailly) ([4])، وكان لكل طبقة صوت واحد على الرغم من إن ممثلي الطبقة العامة كانوا حوالي نصف عدد مجلس الطبقات([5])، وبالتالي فان الطبقة العامة لم تكن تمتلك القوة القانونية التي تمكنها من تمرير القرارات والحد من سلطات الملك في ظل التأييد المطلق له من قبل النبلاء ورجال الدين .
        في ظل غياب دور ممثلي الشعب نتيجة للنظام السياسي وتحكم الملك وطبقتي النبلاء ورجال الدين بمقدرات البلاد في جميع النواحي، كانت الأوضاع الاقتصادية سيئة جداً في فرنسا، فخزينة فرنسا شبه خاوية منذ عهد لويس الرابع عشر بسبب حروبه المستمرة والإسراف والبذخ من قبل البلاط([6])، وعدم تنازل طبقتي النبلاء ورجال الدين عن امتيازاتها ووقوفهما بوجه الإصلاحات التي أقدم عليها كالون (Calonne) في عهد لويس السادس عشر من خلال برنامجه الإصلاحي القاضي بتساوي الفرنسيين في تحمل مصاريف الدولة بغض النظر عن مراتبهم الاجتماعية وإلغاء الحواجز الكمركية بين الأقاليم وتنشيط التجارة، فضلاً عن المجاعة التي اجتاحت البلاد سنة 1788([7]) .
        كان الشعب الفرنسي بحاجة إلى ثورة عارمة تشمل جوانب الحياة كافة للخلاص من المأساة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها، وقد تلقى الشعب شحنات فكرية ساهمت بشكل كبير في إثارة حماسته، فقد أيقظت دعوات وأفكار وآراء المفكرين الشارع الفرنسي ونبهته إلى الممارسات اللاانسانية واغتصاب حقوقهم واستغلال سذاجتهم ليكونوا خدماً مطيعين للملك والطبقات المتنفذة، فقد كرس فولتير (1694-1778) حياته للكفاح ضد طغيان الكهنة ورجال الدين والعمل على رفع مكانة الإنسان حتى أصابه اليأس من إصلاحهم إذ قال "لقد أوقفت نفسي دائماً على بذل جهدي المتواضع لأجعل من الناس اقل سخافة وأكثر شرفاً" وكذلك قال "لقد تعبت من هؤلاء الناس الذين يحكمون الدول من علياء قصورهم . هؤلاء المشرعون الذين يحكمون العالم ويعجزون عن حكم زوجاتهم أو عائلاتهم ... ان من المستحيل تسوية هذه المسائل كلها بتقسيم جميع الناس إلى حمقى وخدم من جهة، وحكام وأسياد من جهة أخرى"([8]) .
        لقد سبق فولتير عدد من المفكرين الذين دعوا إلى القضاء على نظام الطبقات الاجتماعية والسلطة المطلقة وتحقيق العدالة عن طريق الحرية والمساواة، فقد وجه المفكرون انتقادات لاذعة للملك، فضلاً عن التلويح بالثورة، ونرى ذلك في كتابات باسكال (Pascale) ولافونتين (Lafontain) وبرادلو (Baradlot)، ونستشهد هنا بمقولة للافونين في كتابه (تنهدات فرنسا)، ويتوضح فيها مدى استغلالهم للشعب والسلطة في سبيل مصالحهم الشخصية "ان ملوك فرنسا قد جعلوا من انفسهم بابوات مفتين واحباراً ان الملك هو كل شيء والدولة لم تعد شيئاً"، وهدد لابروبير بالثورة ما لم تصلح حال الرعية، مذكراً الملك في الوقت نفسه ما آل إليه مصير الملك الانكليزي جارلس الاول([9]) .
        كان فولتير يدعو إلى الدفاع عن حرية الفكر والعقيدة ونصرة وحماية الفرد من تعسف السلطات الدنيوية منها والدينية، بينما وقف مونتسكيو (Montesquie) (1689-1755) على الواقع الذي يعيشه الشعب الفرنسي وآلامه من خلال كتابه (الرسائل الفارسية) ودعا إلى وضع حد لتلك الأوضاع غير الطبيعية، وفي كتابه (كانديد) دافع عن الكادحين وهاجم الاسترقاق والمعاملة السيئة التي يعامل بها العبد من قبل سيده، وكان لكتابه الشهير (روح القوانين) وقع كبير على المجتمع الفرنسي، إذ أشار من خلاله إلى أهمية تحقيق العدالة والحرية في المجتمع، وأكد بان مبدأ الفصل بين السلطات هو خير ضمان للحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، وقد كان ثمن تلك الأفكار باهظة في ظل غياب حقوق حرية الفكر، إذ تعرض اغلب المفكرين الفرنسيين إلى الأذى والاهانة، بل إن بعضهم دفع حياته ثمناً لكتاباته وأفعاله المعارضة للسلطة ونظام الطبقات واستغلال الناس باسم الحق الإلهي والدين، ومن هؤلاء اتالرند ودي لاباز([10])، لكنها في الوقت نفسه أوجدت أرضية مناسبة لاستلهام الأفكار الثورية وأصبحت نبراسا لتحرك جماهيري وأهدافاً لابد من تحقيقها، إذ كانت بعضها دعوة صريحة للثورة، فقد بين جان جاك روسو (J.J. Rousseau) (1712-1778) في كتابه (العقد الاجتماعي) حق الشعب في الثورة، إذ نزع روسو ثوب القداسة عن الملوك، وفند شرعية نظرية الحكم الإلهي، وأكد إن الحكومات لا تعد شرعية إن لم تنل رضا الشعب، فإرادة الأمة هي مصدر القوانين والشرائع، وان السلطة عقد بين الحاكم والمحكوم، وإذا اخل الحاكم بشروط العقد، فان للشعب الحق في الخروج على سلطته، ولذلك يكون روسو أول من أباح الثورة والخروج على الحكومة([11]) .
        في ظل الأوضاع العامة المتردية في فرنسا قبيل الثورة، واشتداد الأزمة المالية والشكاوي الكثيرة التي انهالت على الملك والحكومة حول الأوضاع السيئة، فضلاً عن الأجواء المشحونة ضد السلطة جراء انتشار الأفكار الثورية في صفوف العامة وأمام تعنت النبلاء ورجال الدين في عدم التنازل عن امتيازاتهما لمعالجة الأزمة، كان لابد للملك ان يتحرك لإنقاذ البلاد، فدعا مجلس الطبقات للاجتماع بعد انقطاع دام (175) عاماً لدراسة الأوضاع ووضع الحلول لها([12])، وقد أجريت الانتخابات في نيسان 1789، واجتمع المجلس في 4 أيار من السنة نفسها، وكان مؤلفاً من (1200) عضواً نصفهم من الطبقة العامة والنصف الآخر يمثلون النبلاء ورجال الدين([13]) .
        بدأ الجو متوتراً منذ الاجتماعات الأولى للمجلس، فقد كان نواب الطبقة العامة عازمين على التخلص من قيود القوانين القديمة، وقد حمل النواب معهم عرائض وشكاوى مقدمة إلى الملك والمجلس، وكان عددها حوالي (20) ألف عريضة مقدمة من كافة طبقات الشعب، وكانت أهم تلك العرائض والشكاوى تلك التي تقدم بها ممثلي دائرة فرساي الانتخابية، كان قسم منها خاص بنظام الحكم ووراثة العرش والتشريعات القانونية وكيفية إصدار القوانين، والقسم الآخر كان يتعلق بصورة مباشرة بحقوق الإنسان، وقد كانت جميع العرائض محررة من الناخبين الفرنسيين يدعون فيها بشكل عام إلى تحقيق المطالب الأساسية للشعب الفرنسي . ونلخصها في النقاط التالية :
1-   صيانة الحريات العامة ومنع التجاوز عليها إلا بموجب القانون .
2-   إلغاء الامتيازات القديمة التي كانت تتمتع بها الفئات المتنفذة من الشعب الفرنسي .
3-   عدم فرض الضرائب دون حصول موافقة مجلس الطبقات وإلغاء نظام السخرة .
4-   توزيع الضرائب على جميع فئات الشعب بالتساوي بغض النظر عن الانتماء الطبقي للمكلفين .
5- إلغاء كل ما تبقى من الرق في الأرض والرق الشخصي، وعلى مجلس الطبقات العمل على تحرير الزنوج والرقيق في المستعمرات .
6-   منح الجنسية لكل مستوطن أجنبي مضى على إقامته ثلاث سنوات في فرنسا .
7-   الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية .
8-   حرية التجارة والصناعة ومجانية التعليم .
9- إدماج الطبقات الثلاثة في طبقة واحدة ويكون التصويت حسب الفرد وليس حسب الطبقة وتخصيص رواتب لرجال الدين وتحويل واردات الكنيسة إلى خزينة الدولة([14]).
وان من المفيد ذكره، إن ما جاء في تلك العرائض من شكاوى ومطالبات، أصبحت نواة الدستور الفرنسي في سنة 1791 .      
   وفي الاجتماع الذي عقده مجلس الطبقات في 6 أيار 1789، أقدمت الطبقة العامة في أول خطوة لها على تغيير اسمها إلى مجلس العموم، ثم استقروا على اسم الجمعية الوطنية في 17 حزيران، وانضم عدد من نواب طبقة رجال الدين من القساوسة الفقراء إلي الجمعية الوطنية، وطالب المجتمعون بإزالة الحواجز بين الطبقات، لكن النبلاء رفضوا ذلك وطالبوا الملك بعدم الاستجابة لذلك الطلب([15])، وفعلاً رفض طلبهم من قبل الملك، وألغى الملك أيضاً تغيير اسم الطبقة، وأمر النواب بالمغادرة، إلا أن نواب الجمعية الوطنية أبوا أن يغادروا المكان، وقال ميرابو "نحن هنا بإرادة الشعب ولن نخرج إلا على رؤوس الحراب"([16]) .
        لاحت بوادر الثورة في الأفق، عندما خرجت تظاهرات كبيرة عمت باريس، وسيطر المتظاهرون على دار بلدية باريس، ثم هاجموا حصن الباستيل الذي كان يعد رمزاً للظلم والاضطهاد في نظر الفرنسيين، وسيطروا عليه في 14 تموز 1789 فكانت الشرارة التي أشعلت الثورة في عموم فرنسا، وبدأت معاقل السلطة تسقط واحدة تلو الأخرى، وأدرك الملك خطورة الوضع، وباتت الملكية مهددة، فعمد إلى تقديم بعض التنازلات منها، أبعاد بعض الوزراء والقبول بعلم الثورة([17]) .
        اجتمعت الجمعية الوطنية في 4 آب لبحث الوسائل الكفيلة لوقف الاضطرابات، واقترح دي نواي وهو من النبلاء الميالين إلى العامة، إلغاء الحقوق الإقطاعية للنبلاء، وكما اتخذت الجمعية في الاجتماع نفسه عدة قرارات، أهمها :
1-   إلغاء جميع الحقوق الإقطاعية والقضائية للنبلاء .
2-   منع السخرة وفرض الضرائب على المطاحن والأفران .
3-   إلغاء الامتيازات الخاصة التي تتمتع بها المقاطعات والأقاليم .
4-   إلغاء الضرائب التي كانت تدفع للكنيسة .
5-   إعلان المساواة التامة بين المواطنين في الحصول على الوظائف العامة .
6-   تحقيق المساواة القضائية بين جميع الناس والمساواة في الحقوق والواجبات([18]) .

الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان
        لقد عول الشعب الفرنسي كثيراً على الثورة التي حملت لواء الحرية والمساواة بين أفراد المجتمع، وجاءت الإجراءات والقرارات التي اتخذتها الجمعية الوطنية ملبية تماماً لأهداف ورغبات الشعب، فقد كان الشعار الذي رفعته الثورة (الحرية،العدالة، الإخاء)، كافي لتحقيق المساواة والرفاهية للشعب، ولم يبق إلا ان تشرع الجمعية الدستور والقوانين التي تحدد حقوق المواطن وتصونها وتحميها من جور السلطة، فكانت ولادة إعلان حقوق الإنسان والمواطن في 26 آب 1789 . والذي جاء فيه :
1-   يولد الناس ويظلون أحراراً ومتساوين في الحقوق، وعليه فالامتيازات المدنية لا يمكن ان تبنى إلا على المنفعة العامة .
2- ان غاية التنظيمات السياسية والحكومات هي المحافظة على حقوق الإنسان الطبيعية، ولا يجوز المساس بها وهي الحرية والملكية والأمن ومقاومة الطغيان، وليس هناك حدود لحقوق الإنسان الطبيعية إلا تلك التي تضمن لإنسان آخر التمتع بنفس الحق، وتقر جميع الحدود وفقاً لقوانين تسن من قبل ممثلي الشعب .         
3- الأمة مصدر السيادة، ولا يجوز لأي كان أفراداً أو مجموعات من مزاولة أية سلطة ما لم تكن نابعة من الأمة أو لم تنل قبولها .
4-   الحرية والمشاركة السياسية متاحة للجميع وهي شرعية ما لم تسبب ضرراً بالآخرين.
5-   لا يجوز للقوانين ان تحرم شيئاً ما لم يكن فيه ضرر للمجتمع .
6- القانون هو التعبير عن إرادة الجماعة، وكل المواطنين لهم حق المشاركة في وضع القانون مباشرة أو عن طريق ممثليهم . وان يكون الجميع متساوين أمام القانون في الحقوق والواجبات، ولا تفضيل لشخص على آخر في تولي المناصب إلا بالكفاءة والموهبة .
7- لا يجوز اتهام احد أو القبض عليه أو اعتقاله، إلا في الأحوال التي يحددها القانون بحسب الطرق التي رسمها القانون([19]) .
مرت فرنسا خلال السنوات 1789-1791 بظروف صعبة بسبب ظهور تيارات مختلفة من حيث الميول والأفكار والأفعال، وغذتها بشكل مباشر الأندية الكثيرة التي ظهرت على الساحة منها الكوردلييه واليعاقبة والجيرونديين يدعو بعضها إلى إقامة نظام جمهوري والآخر يدعو إلى ملكية دستورية، فضلاً عن الدعم الأوربي للتيارات التقليدية المحافظة، وتأزم العلاقات الأوربية الفرنسية بشكل متسارع، ومع ان الفرنسيين استطاعوا عن طريق ممثليهم في الجمعية الوطنية من وضع دستور للبلاد جاءت مواده متطابقة إلى حد بعيد مع ما ورد في العرائض والشكاوي التي قدمها الشعب إلى مجلس الطبقات في سنة 1789، وأصبحت مصدراً للتشريعات القانونية، ولهذا فان الدستور الفرنسي جاء مطابقاً مع أماني وتطلعات الشعب الفرنسي، إذ كان ديمقراطياً ضامناً للحريات العامة، ووزعت السلطات فيه توزيعا عادلاً، وقد تم إقراره في 3 أيلول 1791([20]) .
        وهنا نورد أهم ما جاء من المبادئ التي تتعلق بحقوق الإنسان بشكل مباشر ونلخصها بالنقط التالية :
1-   السيادة مصدرها الأساس الأمة تمارسها بواسطة الهيئات المنتخبة .
2-   السلطة التشريعية يمارسها أعضاء منتخبين من قبل الشعب .
3-   مبدأ الفصل بين السلطات .
4-   تبني الدستور جميع المواد التي جاءت في وثيقة إعلان حقوق الإنسان والمواطن لسنة 1789([21]) .
لم يكن الدستور الفرنسي ليخلو من العيوب، أو على الأقل انه لم يلب أمنيات جميع الفرنسيين، بسبب مشاربهم المختلفة والتيارات المتناقضة، إلا انه استطاع إلى حد بعيد ان يضمن حقوق الإنسان من خلال بنوده، وربما المأخذ الوحيد الذي يمكن ان نجده كان في الجانب السياسي، إذ اقر بان الانتخابات تجرى على درجتين، وان الناخب العادي يجب أن يدفع ضريبة مباشرة للدولة، لذا فانه حرم الفقراء من المشاركة في الانتخابات، لعدم تمكنهم من دفع الضريبة، وبالتالي فقد حرم عدد كبير من فقراء فرنسا من الإدلاء بأصواتهم .


[1])) عبد العزيز سليمان نوار وعبد المجيد نعنعي، التاريخ المعاصر : أوروبا من الثورة الفرنسية إلى الحرب العالمية الثانية، دار النهضة العربية (القاهرة، د.ت )، ص 19 .
[2])) ظاظا، المصدر السابق، ص 58 .
[3])) نوار ونعنعي، المصدر السابق، ص 23-25 .
[4])) لويس معوض، الثورة الفرنسية، الهيئة المصرية العامة للكتاب (مصر، 1992)، ص 30 .
[5])) الادهمي، المصدر السابق، ص 7 .
[6])) عبد العزيز عبد الغني إبراهيم، محاضرات في تاريخ أوربا بين النهضة والثورة الفرنسية، منشورات ELGA (مالطا، 1997)، ص 256 .
[7])) نوار ونعنعي، المصدر السابق، ص 25-28 .
[8])) ول ديورانت، قصة الفلسفة من أفلاطون الى جون ديوي، ترجمة فتح الله محمد المشعشع، منشورات مكتبة المعارف (بيروت، 2004)، ص 189 .
[9])) ظاظا، المصدر السابق، ص 59-60 .
[10])) ظاظا، المصدر السابق، ص 60-61 .
[11])) المصدر نفسه، ص 62-63 .
[12])) نوار ونعني، المصدر السابق ن ص 29 .
[13])) معوض، المصدر السابق، ص 30 .
[14])) معوض، المصدر السابق، ص 100-105 .
[15])) المصدر نفسه، ص 32 .
[16])) المصدر نفسه، ص 37-38 .
[17])) نوار ونعنعي، المصدر السابق، ص 34 .
[18])) المصدر نفسه، ص 35 .
[19])) معوض، المصدر السابق، ص 92-93 .
[20])) نعنعي، المصدر السابق، ص 46 .
[21])) المصدر نفسه، ص 46-48 .
ا

الثلاثاء، 10 أبريل 2012

جذور ودوافع الاعلان الاميركي لحقوق الانسان


الإعلان الأميركي لحقوق الإنسان
        كانت أميركا عبارة عن مستعمرات لعدد من الدول الأوربية وفي مقدمتها بريطانيا ، وقد كان سكان المستعمرات الأميركية خليط من الفئات التي انتقلت إليها من مناطق مختلفة ولأسباب متنوعة ، وغالباً ما توصف الولايات المتحدة بـ "أمة المهاجرين" ، وتعد من أكثر المجتمعات اختلاطا في العالم ، "ففيها يلتقي الكثير من التقاليد الحضارية ، والميول العرقية ، والأصول القومية ، والجماعات العنصرية"([i]) ، وقد كان المهاجرون يحملون معهم حضارة موطنهم الأصلي ، فضلاً عن الأفكار والروح الثورية التي كانت سائدة في أوربا ، وقد سبقت الثورة الأميركية ، محاولات عديدة لشعوب المستعمرات لنيل الحرية والتخلص من القيود الاستعمارية ، ظهرت أولها في مستعمرة فيرجينيا بتحريض من البرلماني الانكليزي سانديز (Sandys) المعارض لسياسة الملك ، الذي طالب بتمثيل المستعمرات وإشراك أبنائها في سن القوانين ، مطالباً في الوقت نفسه سكان المقاطعات الفرجينية بإرسال ممثليها إلى جيمس تاون ، وبالفعل تم تشكيل هيئة تمثيلية ، وعقـدت أول اجتماع لها في 30 تموز 1619 ، وسارت على أثرها المقاطعات الأخرى في تشريع القوانين وانتخاب هيئات تمثيلية لإدارة المستعمرات ، وجاءت ديباجة القوانين التي شرعتها على شكل مواثيق خاصة بحقوق الإنسان ، وكانت أهمها الوثيقة التي أصدرها سكان منطقة كونيتكتكت سنة 1639 .
        كان الاستقلال النسبي (الإدارة) والمساواة الاجتماعية أسوة بمواطني الجزر البريطانية ، التي كان يعيشها سكان المستعمرات البريطانية ، يشكل مر إزعاج للحكومات البريطانية ، إذ كانت تؤكد على خدمة المصالح البريطانية من قبل المستعمرات ، في توفير الأسواق لبضائعها وتقديم المواد الخام لمصانعها دون العمل على تقديم الخدمات بنفس المستوى التي تقدم لسكان بريطانيا نفسها ، بل إن بعض الحكومات زادت في استغلالها للمستعمرات ، بشكل خاص بعد تنامي الرأسمالية التجارية والصناعية بشكل كبير ، فقد عمدت انكلترا أولاً إلى العمل على السيطرة على الاقتصاد الرأسمالي ، وقد أسهمت في ذلك المعاهدات والقوانين التي أبرمتها مع الدول الرأسمالية الأخرى مثل قانون الملاحة لسنة 1651 ومعاهدة اوترخت 1713 وباريس 1763 ، إذ أعطت هيمنة انكليزية على الاقتصاد الرأسمالي ، وشكلت حافزاً كبيراً للنمو الصناعي، وقد أسهمت في زيادة الضغوط البريطانية على مستعمراتها في أميركا ، وتقوية سلطتها عليها ، إزاحة فرنسا واسبانيا عن طريقها في سنة 1763 ، من خلال تنفيذ القوانين البحرية التي وضعت تجارة أميركا تحت رحمة انكلترا ، فضلاً عن قيامها بفرض الضرائب لتعويض الخزينة البريطانية أموالها التي فقدتها في حروبها الكثيرة من خلال إصدار عدة قوانين مثل قانون السكر والعسل الأسود ومعامل التكرير وضريبة التمغة على الصحف والمستندات القانونية خلال السنوات 1737-1765 .
الثورة الأميركية
        زادت الإجراءات البريطانية من استياء الشعب الأميركي وبشكل خاص الإجراءات المتعلقة بالضريبة ، فقد اعترضت فيرجينيا عليها بشدة ، إذ قال باتريك هنري في مجلس المواطنين الخاص بالمستعمرة ، انه لا يحق لأحد فرض الضرائب على أهل فيرجينيا باستثناء مجلسها التشريعي ، وان كل محاولة من اجل ذلك تعد غير شرعية ، وسرعان ما انتشرت حركة المعارضة في المستعمرات الأخرى مثل ماساتشوستس وقد دفعت أراء ودعوات المحامي البوسطني جيمس اوتيز (Jemes Otis) الذي يعد الرائد الأول للثورة الأميركية ، حركة المعارضة إلى الأمام.
        لم يكن أوتيز وحده في الساحة من الداعين إلى الثورة على الانكليز ، بل إن أفكار الأوربيين الكبار من أمثال جون لوك وتوماس بيين قد تغلغلت إلى الأرض الأميركية ، اللذين كانا على رأس الداعين إلى إلغاء النظام الوراثي ، ورفض السلطة التي لا تستمد شرعيتها من الشعب ، وكان بيين الذي استقر في أميركا هرباً من السلطة في بريطانيا ، أكد بان لا جدوى من مطالبة الانكليز بتغيير سياستهم ، بل ان الثورة والتخلص من هيمنتهم وإقامة حكومة جمهورية مستقلة ديمقراطية تكفل حقوق الشعب ، هي السبيل الوحيد في الوصول إلى الرفاهية والتقدم والعدالة الاجتماعية والسياسية ، وقد تأثر عدد من الشخصيات المهمة في أميركا بأفكاره وفي مقدمتهم توماس جيفرسون ، وحث الأخير بدوره الشعب الأميركي على الثورة واعتماد حياة ديمقراطية شعبية حرة ، وأطلق عبارته الشهيرة "إن الله الذي وهبنا الحياة ، وهبنا الحرية معها ، في نفس اللحظة ولنفس السبب".
        انطلقت الانتفاضات في مناطق مختلفة من المستعمرات الأميركية ، نتيجة للأفكار الاستقلالية التي بدأت تسود فيها ، فضلاً عن السياسة التعسفية البريطانية ، مثل نيوانكلاند ونيويورك وبنسلفانيا وغيرها ، وأسست جماعات للوقوف بوجه بريطانيا منها جماعة (أبناء الحرية) ، وبدأ زعماء المعارضة ينشطون في المستعمرات المختلفة وعلى رأسهم صامويل آدمز (Samuel Adams) الذي خاطب المستعمرات بضرورة الوقوف ضد إجراءات الحكومة البريطانية ، وظهرت حركة لمقاطعة البضائع الانكليزية ، وأدت الاضطرابات المستمرة إلى الصدام مع الجنود الانكليز في بوسطن سنة 1770 وقتل بسببه عدة أشخاص وعرفت الحادثة بـ (مذبحة بوسطن) ، وكانت البداية للصدامات المسلحة ، وفي سنة 1773 قام مجموعة من الأميركيين بعمل عد الأنجح في مقاومة التجارة البريطانية في بوسطن وعرف بـ (حفلة الشاي) ، إذ ألقى الأميركيون الشاي الذي أرادت الحكومة البريطانية بيعه هناك في البحر ، ويبدو إن ذلك العمل كان البداية في إشعال الثورة الأميركية في سنة 1775، إذ استاء الملك البريطاني كثيراً ، وأصر على معاقبة بوسطن ، فاقر البرلمان الانكليزي بدعوة من الملك قانون الاحتجاج في 1774 ، وأغلق ميناء بوسطن بوجه التجارة ، واخضع اجتماعات مجلس المدينة للمراقبة ، ونقل عاصمة الولاية إلى مدينة أخرى وأنزلت قوات عسكرية كبيرة في المدينة.
        أثارت التطورات السريعة المستعمرات الأخرى ، وتجمعت حول مستعمرة ماساتشوستس ، فقد اقترح مجلس مواطني فيرجينيا عقد اجتماع في فيلادلفيا لمندوبي جميع المستعمرات ، واجتمع المؤتمر القاري الأول في سنة 1774 ، واصدر المجتمعون وثيقة اعترضوا من خلالها على سياسة الحكومة البريطانية في خنق الحريات وفرض الضرائب دون وجه حق وغيرها.
        كانت الشرارة التي أشعلت الثورة ، قيام القوات الانكليزية في 19 نيسان 1775 بالاستيلاء على مخازن الذخيرة والبحث عن زعيمي المعارضة جون هانكوك وآدمز ، وقد واجه الأميركيون تلك السياسة بالقوة ، وحدثت صدامات عنيفة في مستعمرة ماساتشوستس ، وسرعان ما اندلعت في عموم المستعمرات الأخرى ، وإزاء تلك التطورات اجتمع المؤتمر القاري الثاني في 10 أيار 1775 ، وقرر المجتمعون إعلان الحرب على انكلترا ، وتعيين جورج واشنطن قائداً عاما على جيش المستعمرات ، وقد حقق الجيش انتصارات كبيرة خلال السنتين 1775و1776 ، وكانت السبب في إعلان الاستقلال.
        شجعت مجريات الأحداث على الأرض الأميركية ، قادتها على العمل لإعداد وثيقة الاستقلال الأميركي ، وقد سبقت فيرجينيا المستعمرات الأخرى ، إذ أعلنت في أيار 1776 الاستقلال، وفي 7 حزيران من السنة نفسها تقدم لي (H.R.Lee) نيابة عن وفد فيرجينيا إلى المؤتمر الأميركي باقتراح تضمن جعل المستعمرات دولاً مستقلة وقطع علاقاتها مع التاج البريطاني ، ووافق المؤتمر على الاقتراح ، وتقرر تشكيل لجنة مؤلفة من جيفرسون وآدمز وبنيامين فرانكلين لإعداد بيان الاستقلال ، وخولت اللجنة جيفرسون لإعداد الوثيقة ، وتم بالفعل إعدادها ، وبعد إجراء بعض التعديلات عليها من قبل اللجنة ، أعلنت وثيقة الاستقلال في 4 تموز 1776 ، ونصت صراحة على استقلال الولايات الأميركية ، وقد نصت أيضاً على المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان ، وقد جاء فيها : إن الناس كلهم خلقوا متساوين ، وان الخالق قد منحهم حقوقاً ثابتة لا يمكن انتزاعها منهم ، وبين هذه الحقوق الحياة والحرية والسعي لبلوغ السعادة ، ولضمان هذه الحقوق أنشئت الحكومات بين الناس وهي تستمد سلطتها العادلة من المحكومين ، وانه عندما يصبح أي شكل من الحكومات أداة هدم لتلك الغايات فمن حق الشعب أن يغيرها أو يزيلها ، وان يقيم مكانها حكومة جديدة مؤسساً إياها على مبادئ ، ومنظماً سلطانها على وجه بحيث تبدو له انه أجدر بان تحقق له السلامة والسعادة.
        لم تنته المعارك الأميركية البريطانية بإعلان الاستقلال ، إذ استمرت تلك المعارك بين انتصار وهزيمة حتى سنة 1781 ، إذ استسلمت القوات البريطانية في ذلك التاريخ .
        لم يستقر الأميركيون على الوثيقة التي سنوها في سنة 1776 ، بل استمرت المفاوضات من اجل وضع دستور للبلاد ، وبعد انتخاب الكونغرس الأميركي في سنة 1779 ، تم إصدار لائحة حقوق الإنسان بعد إجراء التعديل على الدستور ، وسميت اللائحة (شرعة الحقوق الأميركية) ، وقد أجريت عدة تعديلات على الدستور لصيانة وحماية حقوق الإنسان ، وأهمها التعديل الذي اجري في سنة 1787 ، واهم ما جاء فيه في مجال حقوق الإنسـان ، انه لا يحق للكونغرس أن يسن قانونا لإقصاء أية ديانة أو منع إقامة شعائرها بحرية تامة أو الحد من حرية الرأي والتعبير والنشر ، وعقد الاجتماعات السلمية ولهم الحق في مطالبة الحكومة بالإنصاف وتحقيق العدالة ، وكما أكد الدستور في مادته الرابعة على ضرورة عدم انتهاك حرمة الشعب وان يكون مأمونا في بيوتهم وممتلكاتهم ، وان لا يتعرض للتعسف والاعتقال إلا في حالة وجود ضرورة شرعية لذلك وإجراء محاكمة سريعة وعادلة وغيرها.
الحرب الأهلية الأميركية
        إن إعلان الدستور الأميركي ، وإقرار شرعة الحقوق الأميركية ، لا يعني النهاية لمعاناة الإنسان في تلك البقعة الجغرافية ، لكن الشعب الأميركي كان على الدوام يرنو نحو الأحسن ، على الرغم من الصعوبات الكثيرة ، التي كانت تقف أمام تحقيق المساواة التامة بين مواطني أميركا ، فالرق كان يشكل عاملاً مهماً في الخلافات بين الولايات الشمالية والجنوبية ، وكان السبب الأول في اندلاع الحرب الأهلية الأميركية (1861-1865) ، والتي كانت نقطة تحول أخرى في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، وعندما بدأت المعارك تميل لصالح الشماليين ، اخذوا في اتخاذ بعض القرارات التي اندلعت الحرب من بسببها . فقد اصدر الرئيس الأميركي ابرهام لينكولن (Lincoln) (1809-1865) بياناً في 22 أيلول 1862 ، أعلن فيه إعتاق العبيد ، وقد أوضح في البيان ، إن الغاية من الحرب ليست فقط إعادة الوحدة ، وإنما أيضاً إلغاء العبودية ، وبعد انتهاء الحرب ، وتحقيقا للسلام والعدالة والمساواة قال لينكولن "بدون أحقاد بحق أحد والخير من اجل الجميع والدفاع عن ما هو عادل . فلنناضل من اجل ما بدأنا ، رأب جرح الأمة والعناية بمن عانى أثناء المعارك من اليتامى والأطفال وفعل كل شيء من أجل سلام عادل ودائم داخل البلاد ومع كل الأمم" . وفي 18 كانون الأول 1865 ، وافق الكونغرس على التعديل الثالث عشر للدستور الأميركي الذي قضى بتحريم الرقيق في جميع أراضي الولايات المتحدة الأميركية.


[i])) للمزيد من التفاصيل حول مكونات الشعب الأميركي . ينظر : دوغلاس .ك. ستيفنسون ، الحياة والمؤسسات الأميركية ، ترجمة أمل سعيد ، الدار الأهلية للنشر والتوزيع (عمان ، 2001) ، ص 18-30 .

الخميس، 26 يناير 2012

الاعلان العالمي لحقوق الانسان 1948: قراءة في دوافع وظروف اعلانه واهمية بنوده


بقي الفرد خارج إطار القانون الدولي ، حتى مطلع القرن العشرين ، إذ كانت علاقة الإنسان مرتبطة بالدولة بشكل مطلق ، ولا تتيح الدول المجال للآخرين في التدخل في شؤونها تحت أية ذريعة كانت ، وتشريع القوانين من اختصاص الدول ذاتها ، وليس للمجتمع الدولي إلا تأثير هامشي ، فقد كانت كل حكومة تعد معاملة مواطنيها من صميم واجباتها وسلطتها ولا شأن للدول الأخرى أو المنظمات الدولية بذلك , أما المواطنون الأجانب فعادة كانت دبلوماسية بلدانهم تتدخل لحمايتهم وفقاً لقوانين الدول التي يتواجدون على أرضها ، وقد شهد القرن التاسع عشر بعض المحاولات الدولية لتحسين ظروف وأحوال الإنسان ، مثل ظهور حركة الصليب الأحمر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، وعقدت بعض الاتفاقيات الخاصة بمعاملة أسرى وجرحى الحروب وتحريم الرق والاتجار به ومكافحة القراصنة وغيرها ، ومنها اتفاقية لاهاي لسنة 1899 واتفاقية سنة 1907.
        كان للحرب العالمية الأولى التي اندلعت في سنة 1914 ، أثر كبير في تحرك المجتمع الدولي لوضع الحلول للمأساة الإنسانية التي خلفتها تلك الحرب ، فهناك الملايين من البشر الذين سقطوا في تلك الحروب التي التهمت كل شيء ، ملايين من القتلى والجرحى والمعوقين ، والأرامل والأيتام ، ودمرت مدن على ساكنيها ، فضلاً عن توقف الصناعات والخدمات ، إما لتدميرها نتيجة للقصف والاحتلال أو خلو المعامل والمصانع والدوائر من العمال والموظفين الذين التحقوا بجبهات القتال ، ولم يعودوا إليها إما لأنهم لقوا حتفهم هناك أو اسروا أو منعتهم جروحهم وعوقهم من التواصل في أعمالهم المدنية . فقد تركت تلك الحروب آثار سلبية كبيرة على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في العالم ، ولم يسلم منها حتى الأطفال والنساء ولم يبق أمامهم سوى النزول إلى ساحات العمل من أجل العيش ، واستغل الأطفال والنساء أبشع استغلال خلال تلك الفترة وحتى بعد انتهاء الحرب في سنة 1918 .
        إن نتائج الحرب العالمية الأولى ، وضعت المجتمع الدولي أمام مسؤولية كبيرة جداً . لابد من إيجاد منظمة دولية تعمل أولا على إزالة أسباب وأدوات الحرب في العالم لمنع تكرار ما حدث خلال السنوات السابقة ، فضلاً عن المساعدة في العمل على إعادة البنية التحتية التي دمرت ، وتوفير الخدمات الضرورية للإنسان ، فكانت ولادة عصبة الأمم في سنة 1919 التي أخذت على عاتقها تحمل تلك المسؤولية ، وعلى الرغم من أن ميثاقها لم يشر بشكل صريح إلى حقوق الإنسان إلا في بعض المجالات الضيقة كوضع نصوص وإشارات خاصة بحماية الأقليات الدينية والقومية ودعم بعض الدول التي نشأت بعد الحرب وفقاً لنظام الانتداب الذي تم إقراره في مؤتمر سان ريمو سنة 1920 ، فقد وفرت العصبة أجواء مناسبة لتنشيط بعض الحركات والمنظمات التي تهدف إلى تحسين ظروف العمل والعمال من الناحية الاقتصادية والاجتماعية ولاسيما الصحية وتوفير السكن وفرص التعليم وضمانات الحياة اللائقة بالإنسان . وكان تأسيس منظمة العمل الدولية سنة 1919 في ذلك الإطار.
        تواصلت الجهود الدولية الهادفة إلى تشريع المواثيق والعهود والاتفاقيات الدولية لضمان تمتع الإنسان بالحياة والحرية والمساواة ، وقد أثمرت تلك الجهود بالتوصل إلى اتفاقية مهمة حول تحريم تجارة الرقيق في سنة 1926 ومعاقبة المخالفين ، وقد جاءت هذه الاتفاقية بعد أن تزايدت تلك التجارة ، بعد الجهود الفردية من قبل بعض الدول للقضاء عليها ، ومنها بريطانيا التي وضعت قانوناً حرمت فيه تجارة الرقيق في سنة 1807 والولايات المتحدة الأميركية في أعقاب الحرب الأهلية (1861-1865) ومؤتمر برلين الذي عقد في سنة 1885 والذي اصدر قراراً بمنع تجارة العبيد.
        لقد عملت عصبة الأمم خلال الفترة (1919-1939) على تقديم المساعدات للدول المختلفة لتجاوز مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية ، وفي المجال الإنساني ، فإنها قدمت مساعدات إلى الدول التي تضررت في الحروب ، وفي الجانب الصحي ، بذلت جهوداً حثيثة في مكافحة الأوبئة المتوطنة في مناطق مختلفة من العالم ، كما أنها كافحت تجارة المخدرات والبغاء واهتمت بتربية الأطفال وتحسين أحوال اللاجئين السياسيين وتحسين طرق المواصلات والتعاون التجاري ، فضلاً عن الجانب الثقافي ، لكنها في الحقيقة فشلت في المهمة الأساسية التي أسست من اجلها ، وهي حماية الدول الأعضاء من العدوان ومسألة نزع السلاح ومعالجة الأزمات العالمية بالطرق السلمية عن طريق المنظمات التابعة لها، إذ لم تستطع العصبة من فعل شيء أمام الأحداث المؤلمة التي وقعت في الاتحاد السوفيتي ومصادرة الحقوق والحريات الأساسية فيه نتيجة للممارسات التي أقدم عليها جوزيف ستالين ضد معارضيه في ثلاثينيات القرن المنصرم ، وشن حملات إبادة واسعة شملت ملايين البشر في أنحاء مختلفة من البلاد ، وبشكل خاص في الشيشان والقوقاز وجورجيا ، فضلاً عن الحصار الإعلامي والحكم الدكتاتوري القائم على القمع والاضطهاد إلى جانب فشلها في نزع السلاح ووضع حد لسباق التسلح القائم في أوربا ولاسيما بين ألمانيا وفرنسا ، إذ قرر هتلر في 16 آذار 1935 تسليح ألمانيا وإعادة التجنيد الإجباري وزيادة عدد قواتها العسكرية خلافاً للاتفاقيات المعقودة بين الأطراف المختلفة.
        كان إخفاق عصبة الأمم في مهمتها ، السبب في إشعال فتيل الحرب العالمية الثانية (1939-1945) ، وأمام القوة الهائلة التي تمتلكها الدول ، فقد كانت الحرب وخيمة الآثار على البلدان التي شاركت فيها والمناطق التي أصبحت ساحة للمعارك بين الدول المتحاربة منذ بدايتها ، لذلك بادر بعض القادة إلى وضع حد لتلك الحرب المدمرة ، وعلى الرغم من ان جهودهم باءت بالفشل إلا أنها مهدت لقيام منظمة عالمية قادرة على تجاوز المسائل التي فشلت عصبة الأمم في معالجتها.
        وكانت البداية مع المبادرة التي قدمتها الولايات المتحدة الأميركية في 14 آب 1941 ، وصدور تصريح الأطلنطي عن الرئيس الأميركي روزفلت والسوفيتي ستالين ، إذ نصت الفقرة الثامنة من التصريح على ضرورة إقامة منظمة جديدة لتكون بديلة عن العصبة ، وبعد الهجوم الياباني على بيرل هاربر ، قام المسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية بإعداد تصريح أطلق عليه (تصريح الأمم المتحدة) في 1 كانون الثاني 1942 ، ووقعها رئيس وزراء بريطانيا تشرشل في واشنطن ، وتعهدوا بإقامة نظام للسلام والأمن على أساس الاعتراف بمبادئ الأطلنطي ، وتشكلت لجنة برئاسة كوردل هول وزير الخارجية الأميركية لدراسة أسباب الحرب العالمية ، وعقدت اللجنة أول اجتماع لها في 12 شباط 1942 ، وقد أسهمت اللجنة في تقارب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة حول وضع آلية لإقامة منظمة دولية ، إذ استطاعت في اجتماع مؤتمر موسكو في تشرين الأول 1943 ، أن تحصل على موافقة الاتحاد السوفيتي على إقامة منظمة دولية قائمة على مبدأ المساواة بين جميع الدول المسالمة ، وتم تأكيد هذا القرار في مؤتمر طهران المنعقد في تشرين الثاني سنة 1943 ، وفي 28 آب 1944 ، اتفقت كل من الاتحاد السوفيتي وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية في الاجتماع الذي عقد في فندق دمبارتون اوكس بإحدى ضواحي واشنطن لبحث تفاصيل المشروع ، وتم التوصل إلى الاتفاق بين الأطراف المشاركة في 7 تشرين الأول من السنة نفسها على إقامة تنظيم دولي يعرف باسم الأمم المتحدة يهدف إلى المساواة بين الدول وفض المنازعات بالطرق السلمية والامتناع عن مساعدة الدول التي تمارس الحرب والعنف ضد البلدان الأخرى ومواطنيها ، واستمرت الاجتماعات المكملة لتنفيذ المشروع بمشاركة دول عديدة ، فقد مهد مؤتمر يالتا في 4 شباط 1945 ، لمؤتمر سان فرانسيسكو في 25 شباط من السنة نفسها والذي استمر حتى 25 حزيران 1945 ، إذ تم إقرار وإعلان ميثاق الأمم المتحدة بحضور (51) دولة.
وقد أكدت المواد التي وردت في الميثاق عل جملة من المبادئ الأساسية ، يمكن إجماله فيما يأتي :
1-   حفظ السلم والأمن الدوليين .
2-   حق تقرير المصير للشعوب ، ويعد أساس السلام العالمي وأساس حقوق الإنسان .
3- تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعاً دون تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين ودون تفريق بين الرجال والنساء .
4- تحقيق مستوى أعلى للمعيشة وتوفير أسباب النهوض وعوامل التطور والتقدم وحل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية في مختلف المجتمعات .
5-   تعزيز التعاون في مجال الثقافة والتعليم.
      لقد ضمن ميثاق الأمم المتحدة آليات حماية حقوق الإنسان في المادتين (62) و (68) ، فقد ألزمت المادة (62) المجلس الاقتصادي والاجتماعي الذي تشكل بموجب الميثاق نفسه ، بتقديم توصيات حول إشاعة احترام الإنسان وحرياته الأساسية ومراعاتها ، في حين عهدت المادة (68) إلى المجلس سلطة تشكيل لجان تابعة للأمم المتحدة ومن بينها لجنة خاصة بحقوق الإنسان ، وتم تشكيلها بالفعل في سنة 1946 ، وقد أخذت اللجنة على عاتقها مسؤولية وضع لائحة خاصة بحقوق الإنسان ، وتم إعدادها ومن ثم إقرارها في سنة 1948.
        أدى المجلس الاقتصادي الاجتماعي دوراً كبيراً في مجال حقوق الإنسان ولا يزال ، إذ كان عمله واضحاً في مجال التعاون الاجتماعي والاقتصادي وعلى مستويات مختلفة في مختلف أنحاء العالم ، وتعد حقوق الإنسان من صلب اهتمامات المجلس ، والدليل على ذلك فان لجنة حقوق الإنسان قد ولدت من رحم ذلك المجلس ، وقد وضعت اللجنة في أولوياتها وضع آليات لحماية حقوق الإنسان ، وكانت خطوتها الأولى إنشاء اللجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الأقليات في سنة 1947

إن الحديث عن جهود الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان ، يلزمنا الحديث عن أهم وثيقة خاصة عن حقوق الإنسان ، أصدرتها الأمم المتحدة وهي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي جاءت ترجمة لما ورد في ميثاق الأمم المتحدة الذي اقر بحقوق الإنسان وحمايتها وصيانتها ، ومن ثم بنيت على أساسها أغلب الوثائق العالمية الخاصة بحقوق الإنسان التي صدرت بعد سنة 1948.
        عمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى تشكيل لجان مختلفة كآليات لصيانة حقوق الإنسان ، فقد بادر المجلس الاقتصادي والاجتماعي الذي يعد باكورة أعمال الأمم المتحدة ومن أهم المنظمات التي تعنى بحقوق الإنسان ، بادر إلى تشكيل لجنة حقوق الإنسان في سنة 1946 ، وبدأت هذه اللجنة أعمالها لغرض رفع المستوى الاجتماعي والاقتصادي للإنسان وحماية حقوقه ، وبما أن ميثاق الأمم المتحدة تحدث عن حقوق الإنسان بشكل عام ، كان لابد من إقرار لائحة خاصة بحقوق الإنسان تبين حقوقه وتحميها وتصونها وتلزم الأمم بتطبيقها ، وخاصة وان اللجنة استلمت خلال السنوات 1946-1948 شكاوى وعرائض عديدة تتحدث عن انتهاكات لحقوق الإنسان وكانت حافزاً لإصدار مثل هذا الإعلان .
        أعدت لجنة حقوق الإنسان الإعلان الخاص بحقوق الإنسان ، وقد تم إقراره في 10 كانون الأول 1948 ، فقد قبل بأغلبية الأصوات ، إذ صوتت لصالحه (48) دولة ، وامتنعت عن التصويت (8) دول ، في مقدمتها المملكة العربية السعودية لمخالفة بعض بنود الإعلان لتعاليم الشريعة الإسلامية مثل حرية تغيير الدين والزواج والبنوة وغيرها ، وكذلك امتنعت جنوب إفريقيا التي كانت معروفة بسياسة التمييز العنصري التي تمارسها ضد مواطنيها من السود ، في حين ساوى الإعلان بين جميع بني البشر ، كما اعترضت كل من روسيا وروسيا البيضاء وأوكرانيا وتشيكوسلوفاكيا (سابقاً) ويوغسلافيا (سابقاً) وبولندا ، فقد رأت هذه الدول من الإعلان تجاوزاً على المثل العليا للماركسية .
يتضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ديباجة مأخوذة من ميثاق الأمم المتحدة و(30) مادة تحدد أساسيات حقوق الإنسان وحرياته ، وقد دلت على ذلك ديباجة الإعلان ، فقد جاء فيها "لما كان الاعتراف بالكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة هو أساس الحرية والعدل والسلام في العالم ، ولما كان تناسي حقوق الإنسان وازدراءها قد أفضيا إلى أعمال همجية آذت الضمير الإنساني . وكان غاية ما يرنو إليه عامة البشر انبثاق عالم يتمتع الفرد بحرية القول والعقيدة ويتحرر من الفزع والفاقة . ولما كان من الضروري أن يتولى القانون حماية حقوق الإنسان لكيلا يضطر المرء آخر الأمر إلى التمرد على الاستبداد والظلم . ولما كانت شعوب الأمم المتحدة قد أكدت في الميثاق من جديد إيمانها بحقوق الإنسان الأساسية وبكرامة الفرد وقدره وبما للرجال والنساء من حقوق متساوية ، وحزمت أمرها على أن تدفع بالرقي الاجتماعي قدماً وان ترفع مستوى الحياة في جو من الحرية أفسح . ولما كانت الدول الأعضاء قد تعهدت بالتعاون مع الأمم المتحدة على ضمان اطراد مراعاة حقوق الإنسان والحريات الأساسية واحترامها . ولما كان للإدراك العام لهذه الحقوق والحريات الأهمية الكبرى للوفاء التام بهذا التعهد . فان الجمعية العامة تنادي بهذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان".
تكمن فلسفة هذا الإعلان في مادته الأولى التي نصت على "يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق ، وقد وهبوا عقلاً وضميراً وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء" ، وقد أصبحت المساواة والحرية والإخاء الأساس الذي تبنى عليه العلاقات الإنسانية دون تمييز تحت أي عنوان كان ، ثم أورد الإعلان تفصيلات حقوق الإنسان في مواده اللاحقة ، فقد أكدت المواد (4-21) على حقوق الإنسان المدنية والسياسية ، والمواد (22-27) ضمنت الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ، في حين أكدت المواد (28-30) على صيانة وحماية حقوق الإنسان من قيود الدولة والسلطة وضرورة احترام حقوق الإنسان وكرامته ، وكذلك واجبات الفرد تجاه المجتمع وضرورة المحافظة على مصالح الآخرين .
من الطبيعي أن لا يلبي هذا الإعلان رغبات جميع الشعوب والدول . إذ لا شك في إن لكل شعب ومجتمع خصوصيات بما في ذلك من معتقدات مختلفة وعادات وتقاليد تتناقض مع ما ورد في هذا الإعلان ، ومن الواجب أيضاً أن تحترم تلك الخصوصيات ، شريطة أن لا تقيم حاجزاً أو فاصلاً بين تلاقي الشعوب وتعرقل تطورها الثقافي والحضاري ، والعمل على الاستفادة من حضارات الشعوب المختلفة في سبيل رقي العالم . وبما أن هناك ثقافات وحضارات مختلفة ، وهناك تنوع وتناقض حتى داخل المجتمع الواحد ، فمن البديهي أن يرفض هذا الإعلان جزئياً أو كلياً ، ولكن ذلك لا يقلل من قيمة هذا الإعلان الذي تعامل مع الإنسان على انه كائن ذو عقل ووجدان ، ويختلف عن الكائنات الأخرى ، والبشر جميعاً يحملون الصفات والغرائز الطبيعية نفسها في أية بقعة من الأرض كان ، ولهذا جاء هذا الإعلان مترفعاً عن جميع المسائل التي تشكل حاجزاً أو تضع فارقاً أو ترسم حدوداً بين بني البشر .

الاثنين، 5 ديسمبر 2011

حق الانسان في الرأي والمعتقد والتعبير


لقد فضل الله سبحانه وتعالى آدم وذريته على المخلوقات الأخرى وميزهم عن سائر خلقه بالعقل واللسان ، ليفكروا ويعبروا عن آرائهم وأفكارهم ، لذا فان لكل شخص حق في التفكير والاعتقاد والتعبير عنها بالشكل الذي يراه مناسباً ، دونما تدخل من احد أو مصادرة هذا الحق من قبل الأشخاص أو المؤسسات أو الحكومات ، طالما ان أفكاره لا تخرج عن الحدود العامة التي تقرها الشرائع والقوانين ، ولا تلحق ضرراً بالمصلحة العامة ، أو على حساب حقوق الآخرين .
        إن حريات الرأي والمعتقد والتعبير حق وضرورات في عين الوقت ، إذ أنها تهيأ الفرص المناسبة في خلق مقومات التطور في المجتمع ، وإخراجه من حالة متردية إلى حالة أفضل ، وذلك بالتخلص من القيود التي تكبله والتي تفرضها عادة السلطات والمؤسسات بل حتى الأفراد أحياناً ، لان التفكير والحوار والتعبير يؤدي إلى الخروج بأطروحات جديدة لتغيير واقع المجتمعات ويساهم في التطور الحضاري في مختلف المجالات ، ومن الممكن اعتبار هذه الحقوق من الأمور الشرعية إلى حد بعيد ، وهناك شواهد وأدلة كثيرة في هذا المجال ، كما في قوله تعالى {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ }([i]) ، كما أن التفكير والرأي وطرحه يؤدي إلى تقويض سلطة الحاكم والحكومات التي لا تؤدي واجباتها بما يخدم المصلحة العامة ، وإعادتهم إلى رشدهم وتنوير الرأي العام بالسياسات الخاطئة لها وعلى المستويات كافة ، فقد سئل الرسول (صلى الله عليه وسلم) ، عن أفضل الجهاد عند الله قال (( كلمة حق عند سلطان جائر))([ii]).
        لقد وقف المجتمع الدولي عند هذه الحقوق وبينها بشيء من التفصيل وبشكل خاص في لائحة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وكذلك في وثيقتي العهدين الدوليين الصادرين في سنة 1966 ، فقد خصصت الوثيقة الأولى مادتين حول هذه الحقوق هما (18) و (19) ، إذ نصت المادة (18) على أن ((لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين ، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته ، وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سراً أم مع الجماعة )) ، في حين أكدت المادة (19) على ان ((لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير ، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، أو استقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية )) ، وهنا تأكيد واضح على حق إقامة المؤسسات الإعلامية من الصحف والإذاعات والقنوات التلفزيونية الأرضية والفضائية والانترنت وغيرها من وسائل نشر الأفكار المختلفة داخل الحدود الجغرافية للبلاد وخارجها ، ولا يجوز للسلطات أو الأفراد منع الإنسان من ممارسة هذا الحق ، وهنا لا بد من القول بان على الدولة ان تصدر قوانين خاصة بالمطبوعات والإعلام بالشكل الذي لا يقيد الحريات الواردة في أعلاه .
        ومن هنا يتبين إن للإنسان الحق الكامل في الإيمان بالآراء والأفكار والعـقائد واعتناقها ، ونشرها وبثها كما يريد ومتى يشاء وممارستها في العلانية والسر ، كما له الحق في تغييرها في أي وقت يشاء دون أن يناله بسبب ذلك أي أذى أو إزعاج أو انتقاص من الحقوق كالمضايقة أو الإكراه على التنازل والتخلي عن ذلك الفكر والاعتقاد أو المنع أو الحجز أو التعذيب أو الإبعاد أو النفي أو الإعدام وغيرها ، وقد جاء تأكيد هذه الحقوق في المواد (17و18و19) من وثيقة العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ، مضيفة عليها بإلزام الدول بصيانة تلك الحقوق لكل شخص ، إذا لم تكن تهدد الأمن الوطني أو النظام والمصلحة العامة أو الصحة والأخلاق ، وان لم تكن تسيء إلى سمعة الآخرين دون وجه حق .
        وعلى الرغم من أن جميع الأديان السماوية منها وغير السماوية تقر بوجود أديان مختلفة في العالم بغض النظر عن أحقية أي منها بالاعتقاد والالتزام ، فإنها تختلف عن القوانين المدنية في كيفية معالجة هذه الحقوق ، بل ان القوانين المدنية نفسها تختلف من دولة إلى أخرى في كيفية ممارسة هذه الحقوق ، إذ ان من حيث المبدأ فان القوانين المدنية تجيز للفرد تغير دينه أو التخلي عنه وعدم اعتناق أي دين أو التحول من دين إلى آخر متى يشاء استنادا إلى لائحة حقوق الإنسان ، في حين ان الأديان لا تجيز لمعتنقيها ترك الدين أو  التحول إلى دين آخر ، علما أنها تعترف بحرية الاعتقاد كما ورد في الآية الكريمة  {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}([iii]) وكذلك الاعتراف بوجود أديان مختلفة {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ }([iv]) ،فالمسلم مثلاً لا يجوز أن يغير دينه أي كانت الأسباب ، وفي حالة حدوث ذلك ، فانه يعد مرتداً ، والمرتد مهدور دمه ، كما ورد في الحديث النبوي ((من بدل دينه فاقتلوه))([v]) ، أما بالنسبة إلى الأديان الأخرى فعلى اقل تقدير إن الذي يغير دينه يحرم من بعض الحقوق الارثية كما هو الحال بالنسبة إلى المسيحيين. ويبدو إن البشر بحاجة لتجاوز جميع القيود الدينية وغيرها والحدود الجغرافية والوصول إلى حالة الإنسانية التي تقبل بالجميع بأديانهم وأفكارهم وعاداتهم وثقافاتهم ، وليس غريباً أن يدعو عدد من الرموز التاريخية إلى مثل تلك الحالة ، فها هو الفيلسوف والمتصوف محي الدين ابن عربي (1165-1243) يقول:
لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي
لقد صار قلبي قابلاً كل صورة
وبيـت لأوثان وكعبة طـائف
أدين بدين الحب أنى توجـهت


إذا لم يكن ديـني إلى دينه دان
فمرعى لغـزلان ودير لرهبان
وألواح تـوراة ومصحف قرآن
ركائبه فالحب ديني وإيماني


وفي المجتمعات المدنية ، نجد على الرغم من تمتع الفرد بالحرية الكاملة في مسألة الاعتناق والمعتقد ، إلا أن ممارسة الفرائض الدينية وبعض الطقوس محرمة حتى في أكثر الدول ديمقراطية ، فمثلاً ان ارتداء الحجاب في الدوائر الرسمية في فرنسا ممنوع ، وفي تركيا أيضاً فان المحجبات لا يسمح لهن بدخول المدارس والجامعات ، أما في بعض الدول الإسلامية ، فان بعض الشعائر الدينية الذي يقيمها أتباع المذهب ألاثني عشري (المذهب الجعفري) ، مثل عاشوراء وأربعينية الإمام الحسين (عليه السلام) يمنع إقامتها كما هو الحال على سبيل المثال لا الحصر في المملكة العربية السعودية ، وفي بعض الدول الأخرى يتعرضون إلى مضايقات عند ممارستهم لتلك الشعائر ، وتصل إلى حد التهديد من قبل بعض الجماعات وليست السلطات كما هو الحال مثلاً في باكستان وبنغلادش .


[i])) القرآن الكريم ، سورة سبأ ، الآية (46) .
[ii])) حديث رواه الترمذي والنسائي .
[iii])) القرآن الكريم ، سورة البقرة ، الآية (256) .
[iv])) القرآن الكريم ، سورة الكافرون ، الآية (6) .
[v])) موسوعة الحديث النبوي الشريف ، سنن ابن ماجة ، كتاب الحدود .